جمالية المقاومة وبناء الهيمنة المضادة في كتاب الطواسين للحسين بن منصور الحلاج
بقلم بروفسير أماني الصاوي 🇪🇬
يُعد الحسين بن منصور الحلاج 857–922م من أكثر الشخصيات غموضًا وتوهجًا في تاريخ التصوف الإسلامي—شاعرًا، شهيدًا، وروحًا ثائرة نطقت بما لا يُقال. حياته شهادة متقدة على قوة الرؤيا الروحية في وجه القمع السياسي. ففي ظل الخلافة العباسية، التي اتّسمت بالاضمحلال الاستبدادي والهشاشة الأيديولوجية، نهض الحلاج صوتًا معارضًا—صوفيًا أفاض بمعارفه فأرعب السلاطين وأدهش القلوب.كان الحُكم قائمًا على هيمنة ضعيفة بالكاد تُقنع العامة أو تُلامس آلامهم. وفي هذا الفراغ الجائر، بزغ الحلاج منارة مقاومة، يعبر عن الروح المعذبة والمهمّشة، ويستنهض تطلعاتها نحو العدل الإلهي والاتحاد الكوني. لم يكن تمرّده سياسيًا فحسب، بل كان وجوديًا—صرخةً من أعماق النفس تطالب بالحق والرحمة واليقين.
لقد اعتُبر الحلاج من أكثر رموز التصوف الإسلامي إثارةً للجدل وسحرًا. وكانت عبارته الأشهر "أنا الحق" صاعقةً مزقت ستار الخوف والاتباع. رآها البعض ادعاءً للألوهية، بينما فهمها أهل البصيرة على أنها ذروة الفناء الصوفي، حيث يتلاشى الأنا، ويتكلم الله من خلال العبد المفني .فحكايته، المتشابكة بين الإعجاز والتضحية، ما تزال سرًّا مهيبًا ينادي العارفين عبر العصور، أولئك الذين يطلبون الحقيقة في أعمق منابعها وأشدها تطلبًا. أما كتابه الطواسين، فهو انعكاس خالص لفلسفته الروحية، عملٌ غريب في لغته، فريد في مقاصده، يكسر القوالب السائدة، ويستعين بالإبهام والتجريد ليقول ما لا يُقال. في الطواسين، لا يتحدث الحلاج فحسب، بل يكشف الحجب. كلماته ترتجف بوهج الغيب، وبنداء العدل، ونشوة الفناء. ورؤيته لا تزال تنادينا—تتجاوز العقيدة والخوف—إلى حرية الروح في رحلتها نحو اللانهائي.
في كتاب الطواسين، يقدم الحلاج ثمانية فصول صوفية، يُطلق على كل منها اسم "طاسين"، اقتباسًا من الحروف المقطعة الغامضة في مطلع سورة النمل، والتي يُعتقد أنها تشير إلى العظمة الإلهية والسلطان الرباني. يعرض الحلاج في هذه الطواسين خلاصة فكره اللغوي والصوفي مستخدمًا أسلوبًا تعبيريًا فريدًا خرج عن المألوف في سياقه الثقافي والتاريخي. اتسمت لغته بالغموض والتجريد، مبتعدة عن أنماط المعنى الشائعة، حيث لم تكن لغته وصفًا بقدر ما كانت كشفًا، تسبر أغوار المعنى وتستفز عقل المتلقي ومخيلته. وقد استخدم الحلاج طريقتين رئيسيتين في التعبير: الأولى، عبر إزاحة المفردات من معانيها التقليدية، وتركيبها في سياقات لغوية غير مألوفة؛ والثانية، باستبدال اللغة اللفظية برسومات تجريدية تؤدي وظيفة التعبير عن المعاني الغيبية. هذه القفزة الفنية لم تكن مجرد نزعة جمالية، بل ضرورة وجودية تمليها لحظة الكشف الصوفي التي ترى في اللغة المادية عجزًا عن التعبير عن الحقائق الروحية.
هكذا فتح الحلاج بابًا لما يُعرف اليوم بـ الشعر البصري أو المحسوس (Concrete Poetry)، وهو نمط شعري يعتمد على الشكل البصري للنص كأداة دلالية. هذا النمط، وإن اشتهر في الغرب في منتصف القرن العشرين من خلال شعراء مثل "يوجين غومرينغر" ومجموعة "نويغاندريس" البرازيلية، إلا أن جذوره تمتد عميقًا في التراث العربي، كما يظهر في تعبيرات بصرية كـ"معلقة الكعبة" التي كتبت بماء الذهب، وتطريزات ولادة بنت المستكفي، وأشكال الشعر الهندسي والزخرفي في العصور الأندلسية والمملوكية.
وقد سبق الحلاج كل هذه التجارب؛ إذ مهد الطريق لهذه الرؤية الشعرية من خلال تصويره للمعاني المجردة برسومات وخطوط رمزية، مثل صورة "طاسين المعرفة بالذات في التوحيد"، التي تتألف من توزيع متوازن لحرف العين (ع) على خط أفقي، في تجسيد بصري لفكرة صوفية مجردة. يفسره الحلاج على أنه يمثل كلًا من العين البشرية والعين الداخلية للقلب—وهي البصيرة والحدس والإدراك الروحي. هذه الثنائية تجسد مفهوم الصوفية للرؤية الحقيقية التي تتجاوز الحواس إلى الفهم الإلهي. وتوضح أقوال الحلاج مثل "رأيت ربي بعين قلبي" هذا المنهج الصوفي في المعرفة.
تُستخدم رسومات الحلاج، مثل الرسم في "الطاء-سين الدائرة"، كاستعارات بصرية لمفاهيم روحية. هذه الأشكال التجريدية لا تُفهم حرفيًا بل بشكل حدسي، محاولةً للتعبير عن حقائق تتعذر اللغة على التعبير الكامل عنها. تمثل الدائرة والنقاط بداخلها رحلة الباحث الروحية: كفاحه وحيرته وإدراكه النهائي بأن الحقيقة الإلهية تقع خارج حدود الفهم العقلاني. هذا الرفض للتعبير اللغوي يتوافق مع تأملات جان-فرانسوا ليوتار في حدود اللغة في التعبير عن التجاوز. كذللك تمتد شاعرة الحلاج الصوفية إلى مدائحه للنبي محمد، خصوصًا في "الطاء-سين المصباح النبوي". حيث يصور النبي كظاهرة كونية متألقة—"مصباح أمي" ينبثق من الغيب، متفوقًا على جميع المصابيح الأخرى في النور والهيبة.
تصور حكاية الفراشة والشمعة في "الطاء-سين الفهم" مصير الحلاج الوجودي والروحي. فالفراشة، التي تجذبها الشمعة بلا مقاومة، تحترق في سعيها للوحدة مع الحقيقة الإلهية—رحلة تنتهي بفناء الذات وتشتت الروح في اللاشكل. وهذا يمهد لمصيره الحرفي: السجن، الإعدام، واضطهاد أتباعه بعد وفاته، الذي استخدمه نظام العباسيين لقمع المعارضة وتعزيز الهيمنة السياسية.
أخيرًا، في "الطاء-سين الطهارة", يعبر الحلاج عن الاعتقاد الصوفي بأن السائر، من خلال التأمل والإدراك الداخلي، يتجاوز الثنائيات ويلتحم مع الحقيقة. حيث المعرفة والعارف والمعروف يصبحون كيانًا واحدًا. بالنسبة للحلاج، المعرفة الصوفية لا تُعلّم، بل تنبع من الداخل كإشراق تلقائي. صمته أمام الحقائق التي لا تُقال لا يعني الجهل، بل تعبير عن الاحترام لما يتجاوز التعبير. وهكذا يصبح الحلاج شهيد المقاومة الروحية - كلماته، صوره، وحياته تجسد شعرية التجاوز والتمرد والحقيقة الرؤيوية.
إن الحلاج لم يكن مجرد شاعر صوفي، بل كان مجددًا ثوريًا في الشكل والمضمون، تجاوز اللغة المكتوبة إلى الفضاء البصري، مجسدًا بذلك روح المقاومة الشعرية والتمرد على السائد. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتباره بحق رائد الشعر البصري والصوفي المقاوم، السابق على زمانه بقرون .وعلى الرغم من انتماء الحلاج إلى الطبقة البرجوازية، إلا أنه كان يشعر بآلام الفقراء وناشد لإصلاح اجتماعي. أدى انتقاده الصريح للنظام العباسي الظالم إلى سجنه وإعدامه. كان استشهاده حدثًا قويًا وغامضًا ترك أثرًا دائمًا، رمزًا للمقاومة ضد الطغيان. وشهد ابنه إعدامه الوحشي، والذي كان مقصودًا كعرض علني لتعزيز سلطة الدولة عبر الترهيب. وفي العصر الحديث، احتفى به شعراء مثل أدونيس، الذين صوروه كرمز للحب والمعاناة والحرية. ترتبط قصيدة أدونيس "مرثية الحلاج" بموت الحلاج وولادته الروحية، وترمز إلى مصير الأمة العربية، مما يجعله شخصية ذات أهمية ثقافية وسياسية.



_1.jpg)

1 تعليقات
روعه
ردحذف