في ظل التحولات العالمية نحو الطاقة النظيفة وتقليل الانبعاثات الكربونية
تمضي مصر بخطى ثابتة نحو المستقبل الأخضر من خلال الاستثمار في مشروعات الهيدروجين والأمونيا الخضراء لتصبح مركزًا إقليميًا رائدًا في إنتاج وتصدير الوقود النظيف.
يسلط هذا المقال الضوء على رؤية الدولة وقطاع البترول المصري، ودور شركة جاسكو في هذا التحول الاستراتيجي ، مع استعراض الفرص الاقتصادية والعلمية التي يتيحها هذا الاتجاه الواعد لمستقبل الطاقة في مصر والعالم.
حين يتحول الغاز إلى طاقة خضراء: مصر من البترول إلى المستقبل الأخضر
بقلم د / أحمد المتولي
تغطية م / أشرف الصدفي
فكان لنا لقاء مع ضيفنا الكريم
د. أحمد محمد المتولي
مدير عام تنفيذي – تسهيلات الغاز
الإدارة العامة للمعامل الكيميائية – شركة جاسكو
خبير د/ كيميائي بقطاع البترول –
وزارة البترول والثروة المعدنية
حاصل على دكتوراه في الكيمياء من كلية العلوم – جامعة المنصورة
وماجستير إدارة الأعمال من كلية التجارة – جامعة المنصورة
يشهد العالم اليوم تحولًا جذريًا في خريطة الطاقة العالمية
مع تصاعد الاهتمام بالانتقال إلى مصادر نظيفة ومستدامة تقلل من الانبعاثات الكربونية وتدعم جهود مكافحة التغير المناخي.
وفي هذا السياق يبرز كل من الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء كوقودين واعدين يمثلان محور الثورة القادمة في مجال الطاقة النظيفة. ومع تبني رؤية مصر 2030 و التي تضع الاستدامة البيئية والاقتصاد الأخضر في صميم استراتيجيات التنمية تتقدم مصر بخطى واثقة لتكون مركزًا إقليميًا لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة وخاصة الهيدروجين والأمونيا الخضراء.
الهيدروجين الأخضر يُنتَج من تحليل المياه كهربائيًا باستخدام الكهرباء المولدة من مصادر متجددة مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح دون أي انبعاثات كربونية.
أما الأمونيا الخضراء فتُستخلص من دمج الهيدروجين الأخضر مع النيتروجين الجوي وتعد وسيطًا مثاليًا لتخزين ونقل الهيدروجين ، إذ يسهل شحنها وتداولها وتستخدم كوقود أو مادة خام في الصناعات الكيميائية والأسمدة.
تمتلك مصر مقومات فريدة تجعلها من أكثر الدول المؤهلة لقيادة هذا التحول في الشرق الأوسط وأفريقيا:
موقع جغرافي استراتيجي وموارد ضخمة من الطاقة المتجددة وبنية تحتية قوية في مجال الغاز والطاقة ورؤية حكومية واضحة لدعم الاقتصاد الأخضر عبر الاستثمارات في الطاقة النظيفة.
يُعد قطاع البترول والثروة المعدنية في مصر من أكثر القطاعات تبنيًا لمفهوم التحول الطاقي المستدام حيث يعمل على مبدأ التكامل بين الغاز الطبيعي والطاقة الجديدة والمتجددة.
ومن خلال استراتيجية طموحة أطلقها القطاع بقيادة وزارة البترول والثروة المعدنية يجري العمل على دمج الهيدروجين الأخضر كجزء من منظومة الطاقة المستقبلية في مصر وتشجيع الشراكات مع كبرى الشركات العالمية لتوطين تكنولوجيا إنتاج وتخزين ونقل الهيدروجين واستغلال البنية التحتية القائمة من خطوط وأنظمة نقل الغاز لتكون جزءًا من منظومة نقل الهيدروجين الجديد.
رؤية القيادة والحكومة المصرية
إن نجاح مصر في التحول نحو الطاقة الخضراء لم يكن وليد الصدفة بل ثمرة رؤية قيادية رشيدة بحكمة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي وضع الاستدامة البيئية والتنمية الاقتصادية المتوازنة على رأس أولويات الدولة.
وتأتي توجيهات الحكومة المصرية ممثلة في رئيس مجلس الوزراء الدكتور / مصطفى مدبولي و وزير البترول والثروة المعدنية المهندس /كريم بدوي لدعم هذا التوجه الاستراتيجي عبر تشجيع الاستثمار في مشروعات الطاقة النظيفة وتسهيل الشراكات مع الشركات الوطنية والدولية وتطوير البنية التحتية اللازمة لإنتاج ونقل الهيدروجين والأمونيا الخضراء.
إن هذا الدعم الحكومي المستمر يوفر البيئة الملائمة للابتكار والتطوير الصناعي ويعزز مكانة مصر كلاعب إقليمي وعالمي في مجال الطاقة المستدامة بما يحقق أهداف رؤية مصر 2030 ويؤكد الالتزام بتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وحماية البيئة
دور شركة جاسكو
باعتبارها الذراع الرئيسي في نقل ومعالجة وتسهيل الغاز الطبيعي في مصر تدرك شركة جاسكو (GASCO) أهمية التوجه نحو الطاقة النظيفة كجزء من رؤيتها المستقبلية وخططها الاستراتيجية.
تتجه الشركة إلى تطوير بنيتها التحتية لتكون مؤهلة للتعامل مع مزيج من الغازات منخفضة الكربون مثل الهيدروجين والميثان الحيوي و توسيع نطاق معاملها الكيميائية لمتابعة جودة ومواصفات الغازات الجديدة وضمان سلامة الشبكات في حال دمج الهيدروجين والمشاركة في الدراسات والمشروعات القومية التي تستهدف إنتاج ونقل وتخزين الهيدروجين الأخضر داخل مصر وخارجها.
ومن المتوقع أن يعود هذا التوجه على “جاسكو” بعدة مكاسب استراتيجية
منها تعزيز مكانتها كشركة رائدة في البنية التحتية للطاقة النظيفة وفتح مجالات استثمارية جديدة في نقل ومعالجة الهيدروجين والأمونيا وزيادة القيمة المضافة لأنشطتها الكيميائية والفنية ودعم تحقيق أهداف الدولة في التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.
تسهم صناعة الهيدروجين والأمونيا الخضراء في تعزيز الصادرات المصرية من الوقود النظيف وتوطين الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة مثل تصنيع المعدات والخلايا الكهربية والمحفزات وتوفير فرص عمل نوعية للشباب والمهندسين والعلماء في مجالات الهندسة والطاقة والكيمياء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وزيادة عائدات الدولة من خلال دخول الأسواق الأوروبية والآسيوية المتعطشة للطاقة الخضراء.
إن استثمار مصر في الهيدروجين والأمونيا الخضراء ليس مجرد خطوة بيئية بل استراتيجية اقتصادية قومية تمهد لتحول نوعي في بنية الاقتصاد المصري.
فبالتكامل بين العلم والصناعة و الطاقة والسياسات الحكومية الرشيدة تسير مصر نحو الريادة في مجال الطاقة النظيفة، لتصبح مركزًا عالميًا لإنتاج وتصدير الهيدروجين والأمونيا الخضراء بحلول عام 2030.
إن مستقبل الطاقة في مصر أصبح أخضر اللون بامتياز .
ومع الجهود المتكاملة بين الدولة وقطاع البترول والشركات الوطنية الرائدة مثل “جاسكو”
يمكن لمصر أن تصبح منارة للطاقة النظيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا.
ولعل الاستثمار في العقول والكفاءات العلمية هو الأساس الحقيقي لهذا التحول فالتكنولوجيا والابتكار هما مفتاح الريادة في عصر ما بعد النفط.
ختاما ،،
إن التحول إلى الطاقة الخضراء ليس خيارًا ترفيهيًا بل هو ضرورة وجودية واقتصادية لمستقبل مصر والأجيال القادمة.
ومن هذا المنطلق أدعو إلى تعزيز الاستثمارات في تكنولوجيا الهيدروجين والأمونيا الخضراء وتكامل الجهود بين الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية لتكون مصر نموذجًا عالميًا في التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
فالعلم والابتكار والإرادة الوطنية هي مفاتيح عبورنا من عصر البترول إلى عصر المستقبل الأخضر.


0 تعليقات