لماذا جعل الله للأنثى ذمةً ماليةً محصنة وللعاصب مسؤوليةً مكفولة؟"

 

 لماذا جعل الله للأنثى ذمةً ماليةً محصنة و للعاصب مسؤوليةً مكفولة؟ 

قراءةٌ في فلسفةِ الشريعةِ في توريثِ العَصَبَةِ ومسؤوليتهم تجاهَ البناتِ




​بقلم: د. كامل عبد القوي النحاس


​بينَ الفينةِ والأخرى، تطفو على سطحِ الفكرِ دعواتٌ تتدثرُ بعباءةِ "الإنصافِ"،


 تقتحمُ حِمى المواريثِ بجرأةٍ تستغربُ مشاركةَ الأعمامِ للبناتِ في تَرِكةِ الأبِ، 


وتصوّرُ الأمرَ وكأنه انكسارٌ في جدارِ العدالةِ،


 أو انتقاصٌ من أهليةِ الأنثى.


 ويستدلونَ بلسانٍ حانقٍ:


 "أينَ في كتابِ اللهِ نصيبُ الأعمامِ مع البناتِ؟ 


ويقولون أن البنتُ في لغةِ القرآنِ (وَلَدٌ)، والوَلَدُ يحجبُ مَن بعدَهُ!" لقوله تعالى 


إن كان له ولد


إنّ هذا الدفعَ، وإن بَدت عليه مَسْحَةُ العاطفةِ،


 إلا أنّه يخاصمُ أصولَ الفهمِ، ويغفلُ عن أنّ الشريعةَ ميزانٌ لا يَميلُ،


 وأنّ النقصَ ليس في "النصِّ"، بل في "بصيرةِ المستشكلِ".


​1. النَّصِيبُ المَفْرُوضُ.. سِيَاجُ الأَمْنِ الإِلَهِيِّ


​تأملْ معي كيفَ حمى اللهُ البنتَ بقولهِ


: {نَصِيبًا مَّفْرُوضًا}


                  (النساء: 7). لقد جعلَ لها في كتابِ اللهِ (النصفَ) إن كانت واحدةً، و(الثلثينِ) إن كنَّ اثنتينِ فأكثر،


 وهذا "الفَرْضُ" هو ركنٌ ركينٌ لا يزاحمها فيه أحدٌ،


 ولا تُطالبُ في مقابلهِ بأداءِ واجبٍ ماديٍّ واحدٍ.


البنتُ تأخذُ حقّها بيقينِ السماءِ ليكونَ لها ذُخراً وزينةً،


 بينما يُتركُ الأعمامُ أو أقرب عصبة لما يَفِيضُ عن صاحبِ الفَرْضِ، إن كان هناك فائض، فربما يستحوذ أصحاب الفروض على كامل التركة ، فلا يبقى شيئ للعصبة 


 مثال توضيحى:


توفيت عن زوج وبنات وأما


فيكون للزوج الربع 


وللأم السدس


وللبنات الثلثان


وبذلك لا يتبقى شيئ لأى عاصب


 وحالة وجود فائض فإن  ذلكَ الفائضُ يمثل "قَيْداً" لا "غنيمةً"، ومسؤوليةً لا ترفاً.


مثال توضيحي:


 لو مات رجل وترك (زوجة وبنتين وإخوة أشقاء) فللزوجة الثمن،


 وللبنات الثلثان


، وما تبقى يذهب للإخوة جميعاً.


 هل هذا القدر اليسير المتبقي من التركة هو الذي يُغضب ويُقطع من أجله الرحم؟


 إن هذا الفائض هو في الحقيقة "عربون" الكفالة وميثاق الحماية الذي يربط هؤلاء الإخوة ببيت أخيهم المتوفى، ويمثل حماية لبناته من قبل عصبتهم.


​2. أَصْلُ البَيَانِ..


 "أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ"


​يظنُّ الجاهلُ بأدواتِ الفقهِ أنّ الإسلامَ "نصٌّ صامتٌ" يُقرأُ بمعزلٍ عن بَيانهِ، فيطالبُ بآيةٍ لكلِّ تفصيلةٍ. وغفلَ عن أنّ مَن أنزلَ القرآنَ قالَ: 


{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (المائدة: 92)،


 وأمرنا بقولهِ:


 {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (الحشر: 7).


إنَّ السُّنَّةَ النبويةَ هي التي فصّلت هذا المُجملَ، حيثُ قالَ ﷺ:


 «ألا إني أوتيتُ القرآنَ ومِثْلَهُ معهُ» (أخرجه أبو داود). ومن هذا "المِثْل"


 جاءت القاعدةُ القاطعةُ:


 «ألحقوا الفرائضَ بأهلها، فما بَقِيَ فلأولى رجلٍ ذَكَرٍ» (أخرجه البخاري ومسلم).


 فلم يكن توريثُ الأعمامِ عُرْفاً طارئاً، بل هو "وَحْيٌ" يكملُ رسمَ خارطةِ التكافلِ الاجتماعيِّ.


​3. فَلسَفَةُ "الغُنْمِ بِالغُرْمِ"..


 المَالُ مُقَابِلَ الحِمَايَةِ


​الشريعةُ لم تمنحِ الرجلَ (العُصْبَةَ) نصيباً لأنّه "أفضلُ"، بل لأنّه "مُكلفٌ".


 البنتُ في الإسلامِ (مكفولةٌ) مخدومةٌ، أُعطيتِ المالَ صافياً من الكُلَفِ.


 أما الرجلُ، فهو المُلزمُ شرعاً بالنفقةِ والسكنِ والحمايةِ ودفعِ الديةِ.


إنّ دخولَ العمِّ  في الميراثِ ضمن العصبة هو "قسطُ تأمينٍ" ربانيٌّ


 فبأخذهِ لهذا النصيبِ، صارَ "سنداً" يُلزمهُ القانونُ الإلهيُّ بكفالةِ هذه البنتِ إن دارت عليها الدوائرُ.


مثال توضيحي: 


حين تأخذ البنت نصف التركة التركة حال انفرادها وتدخل في ذمتها المالية الخاصة، يظل العم (العصبة) هو المسؤول شرعاً عن تأمين مسكنها أو الإنفاق عليها إذا فقدت مالها أو احتاجت سنداً. فالمال الذي أخذه العم ليس تملكاً مجرداً، بل هو "بمثابة" توكيل شرعي بالرعاية والمظاهرة، لتبقى البنت مكرمة في كنف عائلتها لا تتقاذفها الحاجة.


​4. تَقْطِيعُ الأَرْحَامِ.. حِينَ يَقْتُلُ الأَبُ سَنَدَ بَنَاتِهِ


​أما مسارعةُ بعضِ الآباءِ لتسجيلِ أملاكهم للبناتِ حِرماناً للإخوةِ، أو لأقرب العصبة


 فهي "جريمةٌ إجتماعية مغلفةٌ بالحبِّ" وتقطيعٌ للأرحامِ. الأبُ هنا يقطعُ رحمَ بناته من حيثُ أرادَ وصلهنَّ


 فإيتاءُ ذوي القربى حقهم هو "ثمنُ المودةِ" الذي يضمنُ للبناتِ ظهيراً عائلياً.


 فإذا غُصِبَ الحقُ، نبتتِ العداوةُ، وصارتِ البناتُ جُزراً منعزلةً بلا "عمٍّ" ولا عاصب يحنو ولا عَصَبَةٍ تذودُ. واليقينُ الإلهيُّ يظلُ حاضراً:


 {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ} (النساء: 11).


​5. تَعَلَّمْ.. ثُمَّ تَكَلَّمْ


​إنّ الاجتراءَ على حِمى الشريعةِ بغيرِ علمٍ، هو انزلاقٌ يوردُ المهالكَ.


 والواجبُ على كلِّ مخلصٍ أن "يَتَعَلَّم قبل أن يَتَكَلَّم"


 حتى لا يضلَّ ويُضلَّ بتبعاتٍ يتحملُ وِزْرها يومَ القيامةِ. إنّ ترويجَ الأباطيلِ الفقهيةِ بدوافعَ عاطفيةٍ يُفسدُ على الناسِ أمنهم الاجتماعيَّ ويجرّئهم على حدودِ اللهِ بغيرِ أثارةٍ من علمٍ.


​خلاصة القول:


 نحو إحياء روح النفقة


​إنّ العلة في واقعنا المعاصر ليست في قسمة المواريث، بل في غياب "فقه المسؤولية". 


إن إصلاح حال الأسر لا يكون بالمنع والحرمان، بل بإحياء روح النفقة ومطالبة العصبة بما عليهم من واجبات مقدسة تجاه بنات إخوانهم.


يجب أن يعلم كل عمٍّ أو قريب يرث بالتعصيب أن هذا المال الذي وصل إليه هو "أمانة كفالة" قبل أن يكون "حق تملك".


 إننا ندعو إلى تفعيل الدور الاجتماعي للعصبة، ليكونوا كما أرادهم الشرع: حصناً للبنات، وسنداً عند الشدائد، وملاذاً عند الحاجة. الشريعةُ لا تُتهم، والخللُ ليس في "عمٍّ يَرِثُ"، بل في "عمٍّ يأخذُ ويُقصّرُ في الرعاية".


 العلاجُ يكونُ بإلزامِ اليدِ التي أخذت أن تُؤدي ما عليها من واجبِ الكفالةِ، صوناً لكرامةِ الأنثى وإحياءً لمقاصدِ الوحيِ.


​عن الكاتب:


• د. كامل عبد القوي النحاس: أديبٌ ومفكرٌ ومؤلف، متخصصٌ في الفقهِ المقارنِ وأصولِ الفقهِ. يُعدُّ صاحبَ محاولةٍ فريدةٍ في الفكرِ المعاصرِ، حيثُ يبرعُ في تفكيكِ الجُملِ الفقهيةِ والأصوليةِ المعقدةِ وإعادةِ صياغتها بأسلوبٍ أدبيٍّ رفيعٍ يجمعُ بينَ دقةِ الفقهِ وجمالِ البيانِ، بهدفِ تقريبِ مقاصدِ الشريعةِ بشكل أدبى يناسب العقلِ الحديثِ ويجلى حكمتها الاجتماعيةِ.

إرسال تعليق

0 تعليقات