شعبان بوابة الصائمين وموسم رفع الأعمال الذي يغفل عنه الكثيرون

 

شعبان بوابة الصائمين وموسم رفع الأعمال الذي يغفل عنه الكثيرون




كتبت منى منصور السيد  🇪🇬

مع اقتراب هلال شهر شعبان، تهبُّ على الأمة الإسلامية رياح رمضان العطرة، محملةً بنفحات إيمانية تذكرنا بأننا على أعتاب أعظم شهور العام، فشعبان هو ذلك الجسر الإيماني الذي يربط بين هيبة شهر رجب الحرام وعظمة شهر رمضان المبارك، ومن هنا تبرز خصوصيته التي غابت عن أذهان الكثيرين، حتى وصفه النبي ﷺ بالكنز الثمين الذي يغفل عنه الناس، فكان يوليه اهتماماً استثنائياً يظهر في كثرة صيامه وعبادته، وحين سُئل عن سر ذلك الاهتمام، وضع لنا دستوراً تربوياً بقوله: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم».

إن هذا الحديث النبوي الشريف لا يبرز فقط فضل الصيام، بل يسلط الضوء على قيمة "العبادة في وقت الغفلة"، فالعمل الصالح حين يغفل عنه الناس يكون أشد إخلاصاً وأعظم أجراً، كما يشير إلى أن شعبان هو بمثابة "التقرير السنوي" لختام أعمال العبد، وما أجمل أن تُرفع صحائفنا إلى الخالق وهي معطرة بذكر الله وطاعته. ومن الناحية العملية، يمثل هذا الشهر "معسكراً تدريبياً" للنفس، حيث اعتاد المسلمون منذ عهد الصحابة والسلف الصالح على تهيئة أبدانهم وأرواحهم فيه، ليكون دخولهم في رمضان دخولاً قوياً بهمة عالية، فلا يشعرون بجهد الصيام أو مشقة القيام في بدايته.

وعلى الرغم من أن القرآن الكريم لم يذكر لفظ "شعبان" صراحة، إلا أن ظلال الوحي حاضرة في طياته بقوة؛ فقد ذهب جمهور المفسرين والمؤرخين إلى أن حادثة "تحويل القبلة" العظيمة، التي نزل فيها قوله تعالى: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها}، قد وقعت في منتصف هذا الشهر المبارك، لتكون تحولاً جذرياً في هوية الأمة وتوجهها نحو الكعبة المشرفة. كما عُرف شعبان تاريخياً بكونه "شهر القُرّاء"، حيث كان الصالحون يغلقون حوانيتهم ويتفرغون لمدارسة القرآن وختمه، استعداداً لشهر القرآن، مؤمنين بأن من لم يزرع في رجب ولم يسقِ في شعبان، لن يجد ما يحصده في رمضان.

وتتوج عظمة هذا الشهر بليلة النصف من شعبان، التي جعلها الله فرصة للمغفرة الشاملة والسكينة الروحية، حيث أخبرنا المصطفى ﷺ أن الله يطلع على خلقه في تلك الليلة فيغفر للجميع، إلا لمن تلوث قلبه بـ "الشرك أو المشاحنة". وهذه دعوة نبوية صريحة لتنقية الصدور وتصفية الخلافات قبل دخول الشهر الكريم، فلا قيمة لصوم الجسد إذا كان القلب يحمل غلاً أو ضغينة. إنها دعوة لأن نجعل من شعبان انطلاقة حقيقية لإصلاح الذات، فنزرع الخير اليوم لنجني الثمار غداً، ونبادر بجبر الخواطر وصلة الأرحام، لندخل رمضان بقلوب سليمة وأرواح مشتاقة لنور الله.

إرسال تعليق

0 تعليقات