الداعى .. حكيم وليس قاضيا أو جلادا
الدعوة إلى الله من أشرف المهام وأعظم الأمانات،
لأنها تتصل بالقلوب والعقول والمصائر.
ومع ذلك فهي من أكثر المهام التي يساء فهمها،
حين تختلط حدود البلاغ بحدود الهداية،
ويختلط البيان بالإكراه والنصح بالوصاية.
وقد جاء القرآن والسنة بمنهج واضح يحدد وظيفة الداعية، ويضبط خطابه، ويقيه من الغلو والغلظة.
فالداعية ليس مالكًا للهداية، ولا مسؤولًا عن استجابة الناس،
وإنما هو حامل رسالة ومبلّغ أمانة ومذكّر بالحسنى.
هذه السلسلة تحاول أن تعيد ضبط مفهوم الدعوة في ضوء النصوص الشرعية،
لتؤكد أن حسن البلاغ هو جوهر الدعوة، وأن ما وراء ذلك موكول إلى الله تعالى .
المقال الأول:
حدود الهداية ومسؤولية
ليست مهمة الداعية أن يملك قلوب الناس، ولا أن يصنع إيمانهم، ولا أن يتحكم في اختياراتهم.
وإنما مهمته أن يبلّغ رسالة الله بصدق، ويبيّن الحق بوضوح، ويؤدي الأمانة كما أُمر،
ثم يترك للناس حرية القرار. فالهداية ليست صنعة بشرية،
ولا ثمرة ضغط أو قهر،
وإنما هي فضل إلهي محض.
وقد حسم القرآن هذا الأمر بآية جامعة فقال تعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
فإذا كان هذا الخطاب موجّهًا إلى رسول الله ﷺ، وهو أحرص الناس على هداية الخلق،
فكيف يتوهم غيره أنه مسؤول عن إيمان الناس أو محاسب على إعراضهم؟
وأكد الله هذا المعنى بقوله:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾.
فالداعية مذكّر لا متسلّط، ومبلّغ لا متحكم،
ودليل طريق لا حارس قلوب.
ونفى الله الإكراه عن أصل الدين فقال:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
فإذا كان أصل الدخول في الإسلام لا يكون بالقهر،
فإن الدعوة إليه أولى أن تكون باللين والحكمة، لا بالقسوة ولا بالتخويف.
وقال تعالى:
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.
فالحق يُبلَّغ كما هو، بلا تزويق ولا ضغط، ثم يُترك الناس لاختياراتهم، ويكون الحساب عند الله وحده.
خاتمة المقال الأول
إذا أدرك الداعية أن حدود مسؤوليته تنتهي عند البلاغ، سلم من العجلة، وسلم خطابه من الغلو، وصارت دعوته أصدق وأقرب إلى هدي الأنبياء.

1 تعليقات
ماشاء الله تبارك الله فتح الله عليك شيخنا الفاضل
ردحذف