د كامل عبد القوي النحاس يكتب الهداية إختيار و البلاغ أمانة

 

الهداية إختيار و البلاغ أمانة




من أعظم الأزمات النفسية التي قد تعصف بوجدان الداعية أو المصلح، 

هو ذلك الشعور الموحش بالإخفاق أو الغضب حين لا يلمس استجابةً في واقع الناس.

 وهو شعورٌ ينبثق غالباً من تضخُّم الإحساس بالمسؤولية تجاه "النتائج"، حتى يكاد المرءُ يُحمّل نفسه أوزاراً لم يكلّفه الله بها أصلاً.


​لقد جاء القرآن الكريم ليحرّر نية الداعية من هذا الثِّقَل، ويضبط له حدود طاقته وعمله ببيانٍ شافٍ، فقال سبحانه:


﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: 48].


فجعل الوظيفة محصورةً في البلاغ والبيان،

 وأخرج من دائرة البشر شؤون الهداية وتقليب القلوب،

 فالهداية منحة إلهية، وسرٌّ ربانيٌّ لا يملك مفاتيحه أحد، حتى صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين.

 وفي هذا السياق، يخاطب الله عز وجل نبيَّه ﷺ بقوله:


﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56].


​إن هذه الآية لا تأتي لتقليل شأن الدعوة، بل لتصويب مسارها النفسي والعملي؛ لكيلا يتحول الداعية – من حيث لا يشعر – إلى متسلّطٍ أو مُهيمن،

 يسعى لا إرادياً إلى إكراه الناس على قناعاته الخاصة أو حصرهم في فهمه الشخصي للدين.


​ويؤصل هذا المعنى العظيم قول الله تعالى:


﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21–22].


فالداعية هنا هو "المذكّر" الذي ينقل الحق ويُبين الرشد، 

لكنه ليس وكيلاً على ضمائر الخلق، ولا رقيباً على سرائرهم، ولا حاكماً على اختياراتهم المستقلة.


​وحين يستقر في روع الداعية أن دوره ينتهي تماماً عند عتبة إقامة الحجة وجلاء البيان، فإنه حينها يشرع في تقديم الحق بروحٍ مطمئنة وهادئة، بعيدة كل البعد عن الحدّة أو التشنّج أو الصدام النفسي.


 وقد قرر القرآن هذا الأصل الكوني بمنتهى الوضوح حين قال سبحانه:


﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].


​فالإيمان الذي يريده الله هو ذلك الإيمان النابع من حريةٍ تامةٍ واختيارٍ وجداني صادق،

لأن الإيمان القسري لا يبني عقيدةً راسخة، وإنما يُنتج مسخاً من النفاق والضعف والانفصام الداخلي.


​إن الداعية الناجح هو من يكتفي ببذر البذرة، ثم يتعهدها بسقاية حسن خُلُقه، وجمال بيانه، وصدق حاله، ثم يَكِلُ أمر الإنبات والنتائج إلى خالق الأرض والسماء؛ تصديقاً لقوله تعالى:


﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 272].


​هذا الفهم العميق هو الدرع الذي يحمي الداعية من اليأس والقنوط إذا تأخرت الثمرة،

 وهو الترياق الذي يقيه من داء الغرور والعُجب إذا اهتدى على يديه أحد. 


إنه الفهم الذي يُبقيه دائماً في مقام العبودية الصافية:

مبلغاً أميناً.. لا متسلّطاً،


وداعياً رحيماً.. لا قاضياً على مصائر العباد.


​خلاصة مقاصدية


​البلاغ: هو التكليف البشري.


​الهداية: هي التشريف الإلهي المحض.


​النجاح: في ميزان الدعوة ليس بكثرة المستجيبين، 

بل بصدق البلاغ وحسن الأداء.

إرسال تعليق

0 تعليقات