قراءة تحليلية في نص الكافر
بقلم الكاتب وشاعر البسطاء سعيدسعيدامام
يأخذنا الكاتب والراوي العالمي محي الدين محمود حافظ في نص الكافر إلى مساحة سردية شديدة الاتساع تتداخل فيها الحكاية الدينية مع التاريخ والموروث والأسطورة والخيال الأدبي ليصنع عالما قائما على سؤال قديم يتجدد مع الإنسان في كل عصر
أين يقف الإنسان بين الشك واليقين وبين الطاعة والغرور وبين القوة التي يمنحها الله والقوة التي يتوهم الإنسان أنه امتلكها بنفسه
اختيار إبليس راويا للنص من أكثر العناصر لفتا للانتباه فالكاتب لا يقدمه باعتباره راويا محايدا وإنما صوتا مراوغا يتحدث إلى بني آدم ويقودهم من حكاية إلى أخرى ويترك بينهم أسئلة وقطعا ناقصة وكأنه يريد من القارئ ألا يكتفي بالسماع بل يبحث ويفكر ويفصل بنفسه بين الحقيقة والرواية والأسطورة
ومن هنا تظهر فكرة المتاهة التي تتكرر داخل النص
فالمتاهة ليست مكانا وإنما حالة فكرية يعيشها الإنسان حين تختلط أمامه الحقيقة بالحكاية واليقين بالشك والمقدس بالموروث
ينتقل النص من طالوت وجالوت إلى داوود ثم سليمان ثم عاد وإرم وشداد وهود في حركة سريعة تبدو في ظاهرها متباعدة لكنها ترتبط بفكرة واحدة هي فتنة القوة
طالوت يمنح الملك باختيار إلهي
وداوود يبدأ شابا قليل العتاد لكنه يواجه جالوت بقوة الإيمان ثم يصبح نبيا وملكا
وسليمان يمثل نموذجا آخر للقوة والملك والتسخير
ثم ينتقل الكاتب إلى شداد ليقدم الصورة المضادة حين تتحول القوة في الحكاية إلى غرور ويصل الإنسان إلى وهم الألوهية
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في النص
القوة ليست هي القضية
ولكن السؤال هو ماذا يفعل الإنسان عندما تصبح القوة في يده
هل يرى فيها نعمة ومسؤولية
أم يرى فيها دليلا على أنه فوق البشر
ومن أجمل الرموز التي يبني عليها الكاتب نصه صورة الطاووس
فالطاووس هنا ليس مجرد كائن جميل وإنما يتحول إلى رمز للزهو والكبرياء والإعجاب بالنفس ولذلك يرتبط صوت الراوي بهذا الرمز منذ البداية وحتى النهاية
كما يعتمد النص على تقنية التشويق المتعمد
كلما اقترب القارئ من نهاية حكاية يفتح الكاتب أمامه باب حكاية أخرى
دانيال والأسود
شمشون
إدريس
سليمان
عاد
إرم
ثم يعود مرة أخرى إلى سليمان
وهذا الأسلوب يجعل النص أشبه بسلسلة من الدوائر المتداخلة وليس حكاية تسير في خط مستقيم
كما أن عبارة جمعوا القطع الناقصة تمثل مفتاحا مهما لفهم البناء كله
فالكاتب لا يريد تقديم الإجابة كاملة وإنما يتعمد توزيع الإشارات وترك القارئ أمام أحجية كبرى ينتظر اكتمالها في الأجزاء التالية
لكن القراءة النقدية المنصفة تقتضي التوقف أمام نقطة شديدة الأهمية
النص يمزج بين عناصر وردت في القرآن الكريم وبين روايات من كتب التاريخ والتفسير والموروثات الدينية والأسطورية وبين إضافات تخييلية واضحة من صنع البناء الأدبي
ولهذا لا يصح قراءة جميع أحداثه باعتبارها حقائق دينية أو تاريخية متساوية في الثبوت
فحكاية طالوت وجالوت وداوود وقوم عاد وإرم وهود لها أصول قرآنية
أما كثير من التفاصيل المتعلقة بشداد بن عاد وبناء إرم ووصفها وعلاقته المزعومة بأبي الهول وبعض الحوارات والأحداث الواردة في النص فهي تنتمي إلى روايات تراثية أو أسطورية أو إلى التخييل الأدبي ولا ينبغي تقديمها للقارئ باعتبارها حقائق دينية ثابتة
وهنا تحديدا تكمن مسؤولية الكاتب والقارئ معا
الكاتب حين يكتب عملا يمزج المقدس بالمتخيل يحتاج إلى وضوح في الإشارة إلى حدود النص الأدبي
والقارئ يحتاج إلى التمييز بين النص المقدس والرواية التاريخية والحكاية الشعبية والخيال الروائي
أما من الناحية الفنية فإن الكاتب يمتلك قدرة واضحة على صناعة المشهد وفتح أبواب التشويق وخصوصا عندما يجعل إبليس يخاطب الإنسان مباشرة
بني آدم
لعبتي ومسلاي
هذه المخاطبة تجعل القارئ جزءا من اللعبة السردية بدلا من أن يبقى مشاهدا لها
والعنوان الكافر يحمل بدوره أكثر من مستوى
فهو لا يحدد منذ البداية من المقصود بالكافر
هل هو إبليس
أم الإنسان الذي أغرته القوة
أم شخصية سيكشف عنها النص لاحقا
أم أن العنوان نفسه سؤال يريد الكاتب أن يؤجله حتى نهاية الرحلة
وهذه المساحة من الغموض تخدم فكرة العمل إذا استمر الكاتب في بناء خيوطه حتى يصل في النهاية إلى كشف قادر على جمع الدوائر السابقة
وأرى أن الفكرة الأعمق في النص ليست حكاية ملك أو نبي أو مدينة ضائعة
إنها حكاية الإنسان أمام القوة
فالإنسان قد يبدأ ضعيفا ثم يمنحه الله أسباب القوة
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي
لأن أصعب امتحان ليس دائما أن تكون ضعيفا
بل أن تصبح قويا ولا يتحول ما في يدك إلى غرور في قلبك
وبين داوود وشداد يرسم النص صورتين مختلفتين للقوة
قوة تعرف أن فوقها خالقا
وقوة تتوهم أنها أصبحت إلها
وبين الصورتين تتحرك رحلة الكافر
رحلة طويلة بين الشك واليقين والغرور والإيمان والحقيقة والوهم
ويبقى السؤال الذي نجح الكاتب محي الدين محمود حافظ في تركه مفتوحا أمام القارئ
حين يمنح الإنسان القوة
هل يزداد بها قربا من الحقيقة
أم يصنع بها عرشه ثم يسجد لنفسه
قراءة وتحليل
الكاتب وشاعر البسطاء
سعيدسعيدامام



0 تعليقات