الأديب سيد عبد الله يكتب ما بعد الرواية حين يتحول السؤال إلى متاهة

 

ما بعد الرواية  حين يتحول السؤال إلى متاهة



نص «ما بعد الرواية» لمحي الدين محمود حافظ ليس نصًا يُقرأ من أجل معرفة الحكاية، بل نصٌّ يُقرأ من أجل اكتشاف ما وراء الحكاية. ومن هنا تأتي قيمته الأساسية: الكاتب لا يقدم إجابات جاهزة، وإنما يضع القارئ داخل مختبر فكري تتصارع فيه الرواية مع الحقيقة، والإيمان مع السؤال، والأسطورة مع التأويل.


أول مفاتيح النص تكمن في العبارة: «الحقيقة ليست ما رويت.. الحقيقة ما حدثت بالفعل». إنها ليست افتتاحية عابرة، بل هي مفتاح الدخول إلى العمل كله؛ فالكاتب يشكك في المسافة بين ما وصل إلينا من حكايات وبين الحقيقة الكامنة خلفها، ثم يدفع القارئ إلى إعادة النظر في الموروث من خلال الأسئلة.


والأجمل أن الكاتب اختار إبليس ليكون لسانًا سرديًا، وهي مغامرة فنية شديدة الخطورة؛ لأنه لا يتبنى موقف إبليس، وإنما يحاول أن يدخل إلى منطقه كي يفهمه. وهذه النقطة تحديدًا تفسر قوله إنه «توحّد بفكره وقلمه» معه. إنها تقنية روائية تقوم على التلبس بالشخصية لفهمها، لا لتبريرها.


ثم تأتي ثنائية آدم وإبليس لتصبح أول مرآة أخلاقية في النص: من كانت جريمته أكبر؟ آدم الذي خالف بعد التحذير، أم إبليس الذي رفض السجود تكبرًا واحتجاجًا؟ هنا لا يبحث الكاتب عن إدانة سريعة، بل يصنع منطقة رمادية تجبر القارئ على التفكير.


ومن أكثر مفاتيح النص ذكاءً انتقاله إلى قابيل وهابيل. فالسؤال عن حضور اسم القاتل وغياب اسم المقتول يتحول من سؤال تاريخي إلى سؤال عن ذاكرة الإنسان نفسها: لماذا نخلّد الشر أحيانًا أكثر مما نخلّد الخير؟ وهنا تتحول قصة قابيل وهابيل إلى رمز يتجاوز الشخصيتين ليصبح سؤالًا عن طبيعة الحضارة البشرية.


أما العنوان «ما بعد الرواية» فهو بالغ الدلالة؛ لأن الكاتب بعد أن يبدأ في صناعة الرواية، يهدم جدارها بنفسه، ويخرج منها إلى التأمل الفلسفي والديني والنقد الاجتماعي. ولذلك فالنص لا يسير في خط مستقيم، بل يتحرك مثل متاهة مقصودة: سؤال يقود إلى سؤال، وإجابة محتملة تفتح بابًا جديدًا للشك.


وتأتي الخاتمة لتكشف المعنى الأعمق: الشيطان ليس فقط شخصية خارج الإنسان، بل قد يصبح رمزًا للنفس الأمارة بالسوء. وهنا تنتقل «قصة الخلق» من الماضي البعيد إلى الحاضر؛ من آدم وإبليس وقابيل إلى أنا وأنت.


وهذه هي المفاجأة الفنية الحقيقية: الكاتب بدأ يبحث عن الشيطان خارج نفسه، ثم اكتشف أن المعركة الحقيقية داخله




إرسال تعليق

0 تعليقات