رواية ليلي الأديب السيد فريج مصر 🇪🇬

  رواية ليلي




 الأديب السيد فريج   مصر 🇪🇬


الحلقة الرابعة…

…وبعد دقائق ينصرف، وقد قبل د.أسعد دعوة عليّ للعشاء بالفندق حيث إقامته، وحديث طويل عن مصر كان أغلبه للدكتور أسعد، وبعض الحديث بالفرنسية مع الدكتورة لينا تشاركه ليلى أحيانًا في غياب حيدر لسفره. 

يمر الوقت سريعًا وقد توطدت علاقة الرجلين أكثر لينصرفوا بعد أن شكرهم عليّ لقبول دعوته، وتمر الأيام ما بين انشغال عليّ وقد زادت مهامه وكبرت مسؤولياته، وابتسامةٍ وهمسةٍ ورسالةِ المساء وإلحاحٍ من عليّ لليلى أن تفاتح أباها بموضوعهما، وإلى يومٍ وكأنها تطير "عليّ وافق بابا على استقبالك والحديث حول مستقبلنا".

- "أويعلم ظروفي؟ وأنني..." 

تقاطعه: "لا تكمل حبيبي، أنت رائع، أنت أحسن واحد في الدنيا يا عليّ".

تملأ الدموع عينيه ولا يدري أفرحًا أم قلقًا تكون؟ "تُرى يا قدري وقد رسمت لي كل شيء ماذا أنت فاعل بي؟" يهمس لنفسه، تمنت لو مسحت دموعه لولا خوفها؛ فاكتفى كل منهما أن جفف دمعه.

الموعد الجمعة على العشاء بغيْر تأخير ولا تقديم، يستقبلون عليّ بحفاوة، ليلى كما هي ملاكٌ في ثوب بشر زاد عليها فرحة لا تستطيع إخفاءها، وارتباك واضح على عليّ وشعور بالحرج يذوب بمرور الوقت بالترحاب، تناولوا عشاءهم بين الزهور في أينع حديقة أجمل زهورها ليلى، يقطع حيدر الصمت قائلًا "عليّ حدثنا عن نفسك"، تحدث عن طفولته، وشبابه، وأبيه، وأمه الحنون، عن مصر يشاركه د. أسعد، فقد عاش فيها زمنًا وألقى محاضرات في بعض جامعاتها، تشاركهما ليلى فرحةً بعلي وفخورة به، وقليل من مداخلات للدكتورة لينا بالفرنسية، الجو رائع في بدايات فصل الشتاء، يزيده بهاءً دفء الود والأسرة. 

يقطع دكتور أسعد الحديث: "عليّ أنت وبلدك وأسرتك الرائعة تشرف أي أسرة".

حبات عرق وارتباك يحاول جاهدًا عليّ أن يسيطر عليها، ونظرات حانية من ليلى، ومداعبة لطيفة من حيدر، يتمالك نفسه "أتسمح لي أن أناديك عمي؟ فأنا أشعر بها".

- "تشرفنا عزيزي"، وبغير توقع إلا من حَيْدَر "ما رأيك بالإمام عليّ؟" 

- "ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأول من أسلم من الصبية، وزوج فاطمة الزهراء، عمي إنهم أسموني عليًّا تبركًا به".

- "والحُسَيْن؟"

- "سيِّد الشهداء وسبط رسول الله وحبيبه".

- "ومعاوية ويزيد؟" 

يضطرب عليّ قليلًا: "عمي" مداعبًا للخروج من الموقف "أنا طالب إيد ليلى، موش دروس في التاريخ".

- "ألا تعلم يا علي من قتل آل بيت رسول الله؟" 

يصمت عليّ..

- "أليْس لهم علينا حقٌ؟" 

يستجمع قواه: "عمي نحن نتعبد بالدعاء في التشهد لآل البيت". 

- "ودمهم!"

- "في ذمة من قتلهم".

- "وفي رقبتنا". 

- "لِمَ؟ نحن لم نقتل ولم نخن أو نخدع".

- "ودمهم!" 

- "عمي، هذا تاريخ، وجميعهم في ذمة الله يقتص لهم ويغفر لمن يشاء ويحاسب من يشاء".

- "وأبو بكر وعمر وعثمان؟"

- "صحابة رسول الله".

- "وغصبهم الخلافة من الإمام عليّ؟"

- "عمي هذا قدر الله وفقط". 

ترتفع حدة نبرة الدكتور أسعد، والصمت يخيم على الجميع، تنسحب الدكتورة لينا وتعرف زوجها إن سار إلى هنا لن يأتيَ خيرًا، القلق يخنق ليلى، تتعجب من الحوار، ولأول مرة تسمع بابا هكذا، حيدر يحاول أن يوجه الحوار وجهة أخرى ويفشل.

- "أين أنت من حق آل بيت الرسول الذين تحبهم؟ أليْس على الأقل أن تنكر على من أذاهم الأذيَّة؟"، يكمل الدكتور أسعد.

- "ومن أنا؟ وقد مرَّت دهور".

- "وعائشة؟"

- "زوج رسول الله وأم المؤمنين".

- "لا تقل..."

يقاطعه عليّ: "ليْس بقولي، إنَّما هكذا قال رب العزة في قرآنه الكريم: (النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم)، عمي هذا تاريخ لا نعرفه حقًا وقرأناه بإرادة وهوى من كتبه، عمي أنا مسلم وفقط، أخاف الله وأؤمن بما ورد بالقرآن الكريم، وأحب آل بيْت الرسول، وأُجِل وأقدر أصحابه، إن لم يكن لأجلهم فلأجله، وزوجات رسول الله أمهات المؤمنين، لا تكتمل لنا عقيدة إلا بذلك، هكذا قال الله تعالى، ومن يتعرض لهم فقد آذى الله ورسوله".

- "إذن أنت سُني؟" 

- "عمي، ما علمت ذاك عني ولا أيٍّ من أهلي، نحن مسلمون وكفى، أتسمح لي بسؤال؟"

- "تفضل" قالها وقد بدا الضيق على وجهه. 

- "دكتورة لينا مسيحية، أليْس كذلك؟"

- " نعم، ولم أُكرِهها على ترك ملتها، واتفقنا على ذلك وأن يكون أبناؤنا مسلمين".

- "أقاربتَ بين أتباع رسالتين؟ ولا تقبل أن تقارب بين مذهبين لرسالة واحدة، إن اعتبرتني سُنيًا كما تقول؟".

وقد بدا الشحوب والذبول يكسو وجه ليلى، وقلبها الصغير كاد يتوقف ألمًا وحسرةً على ما تسمع وترى، ولم تكن تتوقع هذا أبدًا…


إلى اللقاء في الحلقة الخامسة إن شاء الله

السيد فريج 🇪🇬


Guardian Arabia 






إرسال تعليق

0 تعليقات