تأملات في قوله تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه"

 

تأملات في قوله تعالى

 "و إن من شيء إلا عندنا خزائنه"




العقيد محمود سويدان 🇪🇬 


تتجلّى عظمة الخالق سبحانه وتعالى في آيات كتابه الكريم، ومن بين هذه الآيات الكريمة التي تدعو إلى التأمل العميق وتُشعرنا بالسكينة والطمأنينة قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ الآية 21. 

هذه الآية الكريمة ليست مجرد كلمات تُتلى، بل هي دستور حياة يفتح لنا أبواب الأمل واليقين في رحمة الله وقدرته التي لا حدود لها.

خزائن لا تنفد: فهم الآية الكريمة

تدعونا هذه الآية إلى إدراك حقيقة كونية عظيمة: أن كل شيء في الوجود، كبيره وصغيره، ظاهره وخفيه، إنما هو في خزائن الله تعالى. هو سبحانه مالك الملك، بيده مقاليد كل شيء. عندما نتأمل في كلمة "خزائنه"، يتبادر إلى أذهاننا الثراء المطلق، والعطاء الذي لا ينضب. فخزائن الله ليست كخزائن البشر التي قد تنفد أو تقل، بل هي خزائن أزلية أبدية، مهما أعطى منها لا ينقص ملكه شيئًا.


تفسير وتوضيح من الكتاب والسنة: 

تأتي هذه الآية لتؤكد معنى شاملًا يتفق مع العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تُبيّن كمال غنى الله وافتقار العباد إليه.


في القرآن الكريم: تتجلى هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾ الإسراء: 100.

 هذه الآية تُبيّن أن البشر، حتى لو ملكوا خزائن رحمة الله، لضنّوا بها خوفًا من الفقر، بينما الله سبحانه وتعالى يعطي بسخاء وكرم لأنه غني بذاته.


في السنة النبوية: يؤكد النبي صل الله عليه وسلم هذا المعنى في أحاديث كثيرة، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، عن النبي صل الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر." هذا الحديث الشريف يُجسّد بوضوح لا يُضاهى عِظم خزائن الله التي لا يُمكِن أن ينقصها العطاء مهما كان حجمه.


ثمار التدبر: الطمأنينة والتوكل

عندما نستوعب حقيقة أن "كل كنوز الدنيا عنده، كل فرج وسعادة منه، كل خير يرجع إليه"، تتغير نظرتنا للحياة.


طمأنينة القلب: يزول القلق والخوف من المستقبل، لأننا ندرك أن المدبر والرازق هو الله، وبيده كل شيء.


قوة الدعاء: نلجأ إليه سبحانه بقلوب موقنة بالإجابة، فنعلم أن الأمر أمره والملك ملكه، وأن خزائنه لا تنفد. مهما كانت حاجتنا، كبيرة أو صغيرة، فإن الله قادر على تلبيتها.


التوكل المطلق: نُفوّض أمورنا إليه بثقة، ونُدرك أن السعي في طلب الرزق لا يتنافى مع التوكل، بل هو جزء منه، لكن القلب يظل معلقًا بالله وحده.


الشكر الدائم: نُدرك أن كل نعمة نتقلّب فيها هي من فضل الله وعطائه، مما يدفعنا إلى شكره وحمده في كل حين.


إن هذه الآية الكريمة دعوة لنا لنرفع أيدينا بالتضرع، ولنُعلي قلوبنا بالتوكل، ولنملأ أرواحنا باليقين. فمن كان الله معه، فماذا فقد؟ ومن فقد الله، فماذا وجد؟


أسعدكم الله في الدارين، ورزقنا وإياكم الفهم الصحيح لكتابه، والعمل بسنة نبيه صل الله عليه وسلم.

   والله أعلم 


الفقير إلى الله محمود سويدان


Guardian Arabia 







إرسال تعليق

0 تعليقات