في ظل النور: قراءة تأملية لنص محي الدين محمود حافظ
بقلم أماني الصاوي
تبدو "ظلّ النور" كأنها رؤيا خرجت من قلب الذاكرة الروحية، لا لتعيد سرد حكاية مريم المجدلية، بل لتخلع عنها أقنعة التاريخ واللاهوت، وتمنحها صوتًا من لحم القلب وشهقة الروح. في هذا النص، لا نستمع إلى مريم فقط، بل نحيا فيها. ننهض من ركام الحجارة والعار، لنسير خلف ظل النور نحو يقين الحب الأسمى.
ينفتح النص على صدى مألوف: "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر." لكننا لا نلبث أن ندرك أن هذا القول الشهير، الذي طالما استُخدم درعًا للشريعة، قد تحول هنا إلى مفتاح يفتح بوابة قلبٍ مجهول. بطرس يسأل، لا ليفهم، بل ليعترف أن مريم قد حازت ما لم يحزْه أحد: الهمسة التي لم تصل إلى آذان التلاميذ، الكلمة التي لم تُسجل في إنجيل، لكنها حُفرت في ذاكرة العاشقة. منذ هذا الاعتراف، ينكسر الزمن، ويتشظّى السرد، وتدخلنا مريم في متاهة الرؤيا: حيث النبي يحيى يصرخ في البرية، والفارس الذهبي يقطر مسكًا من خصلاته، وحيث الحب ليس حدثًا بل نبوءة.
ما بين الفارس والناسك، ما بين المسك والمسامير، يولد حب لا يُشبه أي حب. تقول مريم ببساطة مرعبة: "أحبه." لا تفلسف، لا تبرير. الحب هنا طقس خفيّ، نار لا تلتهم، رؤية لا تُحدّق بها العين. هو حبّ لا يُطلب ولا يُرتجى، بل يُنزَل كوحيٍ في الليالي الرطبة، تحت ضوء القمر. “هو قال لي أحبك، ولكن لقائنا ليس هنا.”
أي مفصل هذا في النص؟ إنه ليس رفضًا، بل رفعًا. فالحبيب الذي يلامس جبينها، لا يسكن في الأرض، ولا يعرف التملك. إنه الحب الذي يعرف حدوده، ويعبرها.
حين وُضعت مريم في الدائرة، لم تكن هي وحدها العارية أمام الأحكام، بل العالم بأسره. الحجر لم يكن موجّهًا لها فقط، بل للرحمة ذاتها. وفي تلك اللحظة، حين رفعت البتول دعاءها، وانفجرت برك النور تحت أقدام الراجمين، لم يحدث مجرد إنقاذ. لقد حدث انقلاب كوني: سقطت الوجوه الممسوخة في مرآة المذنبين. وهنا يتجلى يسوع، لا كمخلص فقط، بل كحلم عاد من العدم ليتمّم الوعد: أن النور لا يُطفَأ، وأن من مسّ الروح أول مرة، لا يحتاج إلى أن يُلمَس من جديد. وحين قال لها: "لا تلمسيني"، لم يكن ينفرها، بل كان يقرّ قداسة ما تمّ. لقد كانت قد لمسته من قبل، لا بيدها، بل بوجودها كله. "لقد لمسني منذ البداية." هذه هي ذروة النص، لا لأنها تحكي القيامة، بل لأنها تكشفها في الداخل: في مريم التي لم تعد مجرد خاطئة أو تلميذة، بل نور يسري بعد انطفاء اللهب، ظل النور الذي يبقى حين يختفي الجسد.
وفي الختام، لا ينتهي النص بموت يسوع، ولا حتى بقيامته. بل ينتهي بمريم وقد أصبحت شعلة، لا لحبيبها فقط، بل للوجود كله. لقد تحوّل الحب من عاطفة إلى هوية، ومن رغبة إلى حضور سرمدي. “وبقي حبّي حيًا، لا كعاشقة، بل كشعلة.” في هذا السطر الأخير يكمن سر النص كله: الحب الذي يبدأ من الأرض، لكنه لا ينتمي إليها. الحب الذي لا يُفهم، لكنه يُؤمن به. "ظلّ النور" ليس نصا تقليدية، ولا مجرد إعادة تخييل لأسطورة. إنه نصّ تهكيري للوعي الديني والذكوري، تقرأ فيه مريم المجدلية نفسها، لا كما أرادها الآخرون، بل كما رآها الله أول مرة: نقية، مختارة، محبوبة، تشع من كسرها شعلة لا تنطفئ. في هذا الظل، يتعلم القارئ كيف يكون الحُب دينًا، والأنوثة وحيًا، والانكسار قيامة. وفي هذا النور—في ظلّه تحديدًا—تنبض الحقيقة الجديدة: أن مَن لمسته الرحمة يومًا، لا يحتاج إلى معجزة.





_1.jpg)

0 تعليقات