عِزَّةُ المرحرَح كبرياءٌ تحتَ غبارِ الطريق قصة قصيرة د كامل النحاس

 

عِزَّةُ  المرحرَح  كبرياءٌ تحتَ غبارِ الطريق

قصة قصيرة




بقلم المفكر الأديب: د كامل عبد القوى النحاس

المقدّمة


في الطرقات المزدحمة، حيث تُقاس الأقدار على عجل، وتُختصر الحكايات في ثمنٍ أو مظهر، تمرّ علينا وجوهٌ لا تلتفت إليها الأبصار، لكنها تحمل في صمتها ما لا تحمله المنابر.


هناك، عند حوافّ المدن، وفي زوايا الأرصفة، تُختبر معاني العزّة بعيدًا عن الخُطب، وتنكشف معادن البشر في مواقف لا تُخطَّط ولا تُستدعى.


لم تكن القصة موعدًا مع الفقر، ولا استعراضًا للبؤس، بل مصادفةً عابرة كشفت لي أن الكبرياء قد يولد في أبسط المشاهد، وأن الكرامة قد تفترش الرصيف، وتعلّم المارّين درسًا لا يُنسى.


كانت دقيقةً واحدة في موقفٍ عام… لكنها كانت كافية لتعيد ترتيب المفاهيم.


في زحامِ موقفِ «الفيوم – القاهرة» بمدينة الفيوم، حيثُ تضجّ الحناجرُ بطلباتِ الرزق، وتختلطُ أدخنةُ المحركاتِ بأنفاسِ العابرين، وقفتُ بسيارتي دقيقةً عابرة، فإذا بي أمامَ مشهدٍ سيخلدُ في ذاكرتي دهرًا.


كانت تجلسُ هناك، كأنها نخلةٌ نبتت في غيرِ موضعِها؛ تفترشُ الرصيفَ، وأمامها «مِشنّة» تحملُ أرغفةً من المرحرَح المصنوع من دقيق الذرة، ذلك الخبز الريفيّ الذي صيغَ من رِقّةِ الأمل ويُبوسةِ الأيام؛ رقيقٌ كجناحِ فراشة، لا يكاد يُلمس حتى يستحيلَ شظايا عند أدنى احتكاك.


وبينما كنتُ أهمُّ بالتحرّك، لثمتْ عجلةُ سيارتي طرفَ المِشنّة عفوًا، فكان المشهد مهيبًا؛ تساقطتْ أشلاءُ الخبز الهشّ على الطريق، وتناثرت كأوراقِ شجرٍ خريفيّةٍ ذَرَتها الرياح. وفورًا انبرى لسانُ جارتها بائعةِ الخضار بسياطٍ من اللوم والتقريع، وكلماتٍ سوقيّةٍ صاخبة، تذودُ بها عن رزقٍ تراه قد ضاع.


أمّا هي… صاحبةُ الخبزِ والوقار، فقد كانت في سكينةٍ مهيبة، تُسكِتُ جارتها بكلماتٍ كأنها الندى:


«على رِسلِكِ يا أختاه، الرجلُ لم يقصد، وما قدّرهُ اللهُ كان».


نزلتُ من سيارتي يغشاني الخجل، وبالغتُ في الاعتذار، ثم قلتُ لها بلهجةِ المعتذر اللحوح:


«يا خالة، أنا في حاجةٍ إلى هذه المِشنّة برُمّتها، قولي ثمنها وخذيه طائعًا».


كنتُ أظنّ أن المال سيجبرُ كسرَ الخبز، فإذا بي أمامَ كبرياءٍ يكسرُ غرورَ المال.


رفضتْ بشدّة، وقالت بلسانٍ لا يعرف الارتجاف:


«أبدًا يا بُنيّ… أنت لم تكن بحاجةٍ للشراء، فلا تجعل حادثة الطريق تُجبِرُك على ما لا تريد لتعويضِي… أنا لا أبيعُ اضطرارًا».


قلتُ لها:


«أتحمّل ثمن ما أتلفتُه».


فردت باستفهامٍ إنكاريّ:


«أتريدينني أن أقبل العِوض على أبنائي؟».


جادلتُها… حاورتُها… ناديتُها بوازعِ الدين، وقلتُ إنّ العِوض حلال، لكنها كانت كالجبل الأشمّ. ثم قالت جملةً هزّت أركان نفسي:


«حتى وإن كان حلالًا… فالعِوض على الله».


ثم دعت لي بتيسير الطريق.


بينَ رِفعةِ السَّماءِ وسُفولِ الطَّمع


لم تكن تلك الواقعة حادثةَ طريقٍ عابرة، بل ميزانًا أخلاقيًا كاشفًا، جسّدته هذه السيدة بفقرها الماديّ وغناها النفسيّ، ففضحتْ صنفين من البشر ضلّوا سواء السبيل:


المتاجرون بالمسكنة:


أولئك الذين اتخذوا من التسوّل مهنة، يطاردون الناس بإلحاح، ويبتزّون عواطفهم، بينما هي ترفض حقًّا شرعيًّا صيانةً لعزّة نفسها. هي غنيّةٌ في فقرها، وهم فقراء مهما كنزوا من سُحت.


عَبَدة الأرصدة (المحتكرون والجشِعون):


الذين لا يشبع نهمُهم، فيحبسون أقوات العباد، ويقامرون بآلامهم، لا يبالون أمن حلالٍ جمعوا أموالهم أم من حرام. هي ترى المال خادمًا للكرامة، وهم يرون الكرامة خادمةً للمال.


إنّ هذه السيدة هي النموذج الحيّ الذي قصده الحقّ سبحانه وتعالى في محكم تنزيله:


{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}


نداءٌ إلى الضمائرِ الحيّة


يا أيها العابرون في دروب الحياة، إنّ هؤلاء «الأغنياء بالتعفّف» هم بقيّةُ المروءة في زماننا؛ فتّشوا عنهم خلف ثيابهم البسيطة وصمتهم المهيب، واجبروا خواطرهم بالبيع والشراء، لا بالصدقة التي تخدش حياءهم.


كُفّوا عن «المُماكسة» في أرزاقهم؛ فالسعر الذي تجاهد لخفضه قد يكون الفارق بين ليلةٍ يبيتون فيها بكرامة، وليلةٍ يكسر فيها الحرمانُ عزّةَ صغارهم.


اشتروا من هؤلاء، ولا تكسروا قلوبهم؛ فإنكم لا تشترون بضاعة، بل تشترون بقاءَ الفضيلة في عالمٍ كاد الجشعُ أن يخنقه.

إرسال تعليق

0 تعليقات