The fall of Saif al-Islam Gaddafi in Zintan: an assassination that complicates the Libyan scene.

 

سقوط سيف الإسلام القذافي في الزنتان، إغتيال يربك المشهد الليبي




كتب ماجد شحاتة  🇪🇬


في مشهد ختامي غير متوقع، طُويت — وفق تقارير وشهادات متداولة — صفحة واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الليبي الحديث، بعد الإعلان عن مقتل سيف الإسلام القذافي داخل مقر إقامته بمدينة الزنتان، في واقعة وُصفت بأنها عملية اغتيال دقيقة ومباغتة، ما فتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول الملابسات والتوقيت والجهات المحتملة وراء العملية.


سيف الإسلام القذافي، الذي جمع بين حضور النخبة الثقافية وخشونة الصراع السياسي، يُعد أحد أبرز وجوه النظام الليبي السابق. وُلد عام 1972، وبرز لسنوات باعتباره الوجه العصري للدولة الليبية في مرحلة ما قبل 2011. حصل على شهادة في الهندسة المعمارية من جامعة الفاتح، ثم تابع دراسته في «كلية لندن للاقتصاد»، وظهر في المحافل الدولية باعتباره حلقة الوصل بين طرابلس والعواصم الغربية.


لم يكن مجرد نجل للزعيم الراحل معمر القذافي، بل عُدّ — لسنوات — المهندس الفعلي لملفات السياسة الخارجية والتسويات الدولية الحساسة. لعب دورًا بارزًا في المفاوضات الكبرى، وتقدّم واجهةً للانفتاح السياسي والاقتصادي، حتى وُصف بأنه “السفير فوق العادة” للنظام، وموضع الثقة الأبرز لدى والده في مشاريع تحديث بنية الحكم.


وبرز دوره بصورة خاصة في ملف قضية لوكربي، حيث قاد مسار التسويات المعقدة المرتبطة بها، في خطوة ساهمت في إعادة ليبيا تدريجيًا إلى المشهد الدولي بعد سنوات من العزلة والعقوبات. واعتبره مؤيدوه الجسر الذي عبرت عليه الدولة من القطيعة إلى التواصل، ومن الحصار إلى الانفتاح.


ومع اندلاع أحداث 2011، تبدّل المشهد جذريًا. تحوّل سيف الإسلام من دبلوماسي يرتدي ربطة عنق إلى مدافع شرس عن إرث والده في خطاباته العلنية، وظهر بزي ميداني في خضم الاضطرابات. وبعد سقوط النظام، أصبح مطلوبًا للمحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بالقمع المسلح ضد المحتجين.


في أواخر عام 2011، أُلقي القبض عليه في صحراء أوباري بعد رحلة فرار شاقة. وفي عام 2015 صدر بحقه حكم غيابي بالإعدام رميًا بالرصاص من محكمة ليبية، وهو حكم أثار جدلًا قانونيًا واسعًا داخليًا وخارجيًا، قبل أن يتم إلغاؤه لاحقًا. وفي عام 2017 أُفرج عنه بموجب قانون العفو العام، ليبقى بعدها متواريًا عن الأنظار داخل نطاق نفوذ مجموعات مسلحة في الزنتان.


عاد اسمه إلى الواجهة مجددًا في عام 2021 عندما قدّم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية الليبية، في خطوة أربكت الحسابات السياسية وأعادت الاستقطاب حول شخصيته، وساهمت في تصاعد الجدل الذي انتهى بتأجيل الاستحقاق الانتخابي إلى أجل غير مسمى.


وبحسب روايات متداولة من شهود عيان في مدينة الزنتان، فإن عملية الاغتيال — وفق هذه الشهادات — لم تكن عشوائية، بل نُفذت بدقة عالية. حيث قامت مجموعة مكوّنة من أربعة مسلحين مجهولين باقتحام مقر إقامته بعد تعطيل كاميرات المراقبة، بهدف عدم ترك أي أثر رقمي يدل على هويات المنفذين.


وتشير الروايات إلى أن المهاجمين تمكنوا من الوصول إليه داخل غرفته، ونفذوا عملية إطلاق نار مباشرة وسريعة أدت إلى وفاته في الحال، قبل وصول أي قوة مساندة أو تدخل أمني. ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر وصفت بالمطلعة أن العملية استغرقت وقتًا قصيرًا واتسمت بدرجة عالية من التنظيم.


هذه النهاية الصادمة — إذا ما تأكدت رسميًا — لرجل كان مرشحًا محتملًا لقيادة البلاد عبر صناديق الاقتراع، تعيد طرح تساؤلات ثقيلة حول الثغرات الأمنية، وصراعات النفوذ، وحسابات التوقيت في مرحلة سياسية شديدة الهشاشة.


برحيل سيف الإسلام — وفق السرد المتداول — ينتهي فصل رجل ملأ المشهد الليبي تناقضًا وجدلاً: مثقف يرسم اللوحات ويهوى الفن، وسياسي خاض أعقد الملفات، ومقاتل ظهر في أكثر اللحظات اضطرابًا. رجل حمل، في نظر أنصاره، مشروع عودةٍ مؤجل، وفي نظر خصومه، امتدادًا لمرحلة صراع مرير.


غادر المشهد تاركًا خلفه — كما يقول مقربون — أسرار دولة، وأسئلة مفتوحة، وحلمًا مؤجلاً لدى مؤيديه بعودة زمن مضى. وبين روايات السياسة وتقلبات الميدان، تبقى القصة مفتوحة على احتمالات متعددة، في بلد لا تزال رماله السياسية متحركة لا تعرف الثبات.

إرسال تعليق

0 تعليقات