كهف الثابتين
بقلم خالد البنا 🇪🇬
قصة شهداء الصاعقة المصرية في أبريل 1969
في كهف بسانت كاترين أثناء الاحتلال الإسرائيلي لسيناء
لم تكن الليلة ليلًا عاديًا،
كان ليلًا يُمتحن فيه الرجال،
ويُوزن فيه الإيمان بميزان الصبر،
وتُفصل فيه الحياة عن الشهادة بخطوة واحدة.
خرجوا في صمت،
كما يخرج الدعاء من قلبٍ مكسور،
قارب صغير يشق البحر
ولا يعلم البحر
أن من فوقه رجال
كتبوا أسماءهم عند الله
قبل أن تطأ أقدامهم اليابسة.
عشرة…
ليسوا كثرة،
لكن القلوب إذا امتلأت
غلبت الجموع.
ساروا في الظلمة،
والجبال من حولهم
كأنها شهود لا تتكلم،
والكلب يتقدمهم
كأن الخطر يمشي أمامهم
لا خلفهم.
فلما بلغوا القاعدة
وجدوا الحديد مصفوفًا
والنار نائمة
والعدو غافلًا،
فزرعوا في الأرض ما يوقظها،
ودخل واحدٌ منهم
يفك رأس الصاروخ
كمن ينزع شوكة من جسد الزمن
ليُريها للقاهرة
فتفهم كيف تُقتل المدن.
ثم انفجرت الأرض،
وانقلب الليل نهارًا،
وتكسّر الصمت
وتبعثرت القوة
وسقط الغرور.
وانسحبوا…
لا هربًا،
بل وعدًا بلقاء آخر
في كهفٍ
عرفوه كما يعرف العبد
سجادة صلاته.
لكن السماء لم تتركهم.
جاءت الطائرات،
ثم عادت،
ثم عادت…
كأنها تبحث عن الأرواح
لا عن الأجساد.
فدخلوا الكهف،
وهو أضيق من الدنيا
وأوسع من الخوف.
مضى اليوم الأول،
ثم الثاني،
والجراح تنزف
والعطش يكبر،
فسقط اثنان،
لا صراخ
ولا جزع
ولا ندم.
ثم سقط اثنان،
ثم واحد،
ثم آخر…
وكلما سقط واحد
شدّ الباقون على سلاحهم
كأنهم يشدّون على العهد.
لم يكن في الكهف ماء
ولا طعام
ولا أمل في نجاة،
لكن كان فيه شيء واحد
لم تستطع الطائرات قصفه:
الثبات.
فلما جاءهم الأجل
لم يأتِ مفاجئًا،
بل جاء كالنوم
بعد تعب طويل.
اصطفّوا،
جنبًا إلى جنب،
على الجنب الأيمن،
وجوههم للقبلة،
وسلاحهم في أحضانهم،
وبوصلة بينهم
تشهد أنهم لم يضلّوا الطريق.
ناموا…
كما نام أصحاب الكهف
قرونًا
ليوقظهم الله شاهدين.
ومرّت السنون ،
وتبدلت الوجوه،
وسكتت الحكاية،
حتى كشف الله ستر الكهف
بعد خمسة عشر عامًا.
دخل الأعراب،
فوجدوا ما لا يوجد في المتاحف:
رجالًا ماتوا
لكنهم لم ينهزموا.
عظامًا
لكنها واقفة في المعنى.
وكراسة صغيرة
تحكي أن هؤلاء
لم يكونوا يبحثون عن الموت
بل عن الحق.
نُقلوا إلى مقابر الشهداء،
وأُغلقت الحكاية عند الناس،
لكنها لم تُغلق عند الله.
فاسأل نفسك،
لا لتجيب الآن،
بل ليُختبر قلبك يومًا:
لو حُوصرتَ كما حُوصروا
ونُزعت منك الدنيا كلها
وبقي لك خياران لا ثالث لهما
الثبات حتى الموت
أو الحياة بالاستسلام
أيهما تختار؟
رحمهم الله
وجعل كهفهم نورًا
وجعل صمتهم شهادة
وجعل أسماءهم مكتوبة
حيث لا تُنسى البطولات.
وسلامٌ على الثابتين
يوم خرجوا
ويوم صبروا
ويوم بُعثوا أحياء.




0 تعليقات