د. عيد النوقي حافظ.. يكتب... جارديان الصومال 🇸🇴

 

سلسلة: رسائل العشر والحج للأمة




المقال الثامن:


"مِنًى ،ومشاعر الطاعة: دروسٌ للأمة في زمن التشتّت"


بقلم/ الدكتور عيد كامل حافظ النوقي


مقدمة:


ليست “مِنًى” مجرد بقعةٍ جغرافيةٍ يمرّ بها الحجاج في طريق المناسك، بل هي مدرسةٌ إيمانيةٌ كبرى، وميدانٌ عمليٌّ لتربية النفوس على الطاعة، والانقياد، والتجرد لله رب العالمين.


في “مِنًى” تتجلى معاني العبودية في أبهى صورها؛ ملايين البشر يتركون أوطانهم ولغاتهم ،وألوانهم، ويلتقون على هدفٍ واحد: طاعة الله تعالى، وابتغاء رضوانه.


هناك، تختفي الفوارق المصطنعة، وتسقط الأقنعة، ويتعلّم الإنسان أن قيمة الحياة ليست فيما يملك، بل فيما يقدّم لله من إخلاصٍ، واستسلامٍ ،ومحبة.


إن الأمة اليوم  وسط ما تعيشه من صراعاتٍ، وتمزقٍ وضعفٍ روحي  أحوج ما تكون إلى استعادة “روح مِنًى”، لا مجرد الوصول إلى أرضها؛ روح الطاعة الصادقة، والوحدة الجامعة، والتجرد من الأنانية، والانطلاق نحو الإصلاح، والتغيير.


أولًا: مِنًى أرض الطاعة والاستسلام لله:


قال تعالى:


﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، [الحج: 27].


في “مِنًى” تظهر حقيقة الإسلام الكبرى:


السمع، والطاعة لله تعالى، حتى وإن لم تدرك العقول جميع الحكم، والأسرار.


فالحاج ينتقل بين المشاعر وفق أوامر محددة، ويبيت، ويرمي ،ويتحرك وفق منهجٍ تعبديٍّ دقيق، ليُربَّى على معنى الانقياد لله، لا الانقياد للهوى، أو العادة، أو الرغبة الشخصية.


وقد علّمنا سيدنا إبراهيم عليه السلام هذا الدرس العظيم حين استجاب لأمر الله في أصعب اختبار عرفته البشرية؛ اختبار الذبح ،والطاعة، والتسليم.


قال تعالى:


﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ۝ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ ۝ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ ،[الصافات: 103-105].


إن أعظم أزمات الأمة اليوم ليست أزمة إمكانات، بل أزمة طاعةٍ لله، وصدقٍ في الالتزام بمنهجه.


ثانيًا: مِنًى حيث تتربى الأمة على النظام والوحدة:


في “مِنًى” ترى أمةً كاملة تتحرك بتنظيمٍ مهيب؛


أوقاتٌ محددة، وشعائر مرتبة، وحشود هائلة، لكنها تسير وفق نظامٍ واحد.


إنها رسالة واضحة:


لا يمكن لأمةٍ أن تنهض بالفوضى، ولا أن تنتصر بالعشوائية، ولا أن تبني حضارةً بلا نظام.


لقد ربط الإسلام بين العبادة، والانضباط، حتى في الصلاة قال النبي ﷺ:


«سوُّوا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» ،(رواه البخاري ومسلم).


فإذا كان النظام مطلوبًا في صفوف الصلاة، فهو في نهضة الأمم أعظم، وأوجب.


إن كثيرًا من خسائر الأمة ناتجٌ عن غياب التخطيط، وضعف الإدارة، وتقديم المصالح الشخصية على المصلحة العامة.


وفي “مِنًى” يتعلم المسلم أن الجماعة المنضبطة أقوى من الجموع المتفرقة.


ثالثًا: رمي الجمرات إعلان الحرب على الشيطان ،والهوى:


من أعظم مشاهد “مِنًى” مشهد رمي الجمرات؛


ذلك المشهد الذي يذكّر الأمة أن معركتها الحقيقية ليست فقط مع الأعداء الخارجيين، بل مع الشيطان، والهوى، والفساد، والشهوات، واليأس، والاستسلام.


قال تعالى:


﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، [فاطر: 6].


إن الأمة التي لا تُحسن مقاومة شهواتها، ولا تواجه فسادها الداخلي، لن تستطيع مواجهة أعدائها مهما امتلكت من قوة.


ورمي الجمرات ليس حركةً رمزيةً جامدة، بل رسالة متجددة تقول لكل مسلم:


ارمِ شيطان الكِبر، وشيطان الظلم، وشيطان الفرقة، وشيطان الفساد، وشيطان اليأس.


ارمِ كل ما يعطّل نهضة الأمة، ويطفئ نور الإيمان في القلوب.


رابعًا: مِنًى مدرسة المساواة،وتحطيم الكِبر:


في “مِنًى” ينام الغني بجوار الفقير، والعربي بجوار الأعجمي، وصاحب المنصب بجوار العامل البسيط؛ لا ألقاب، ولا مظاهر زائفة، ولا حواجز طبقية.


قال النبي ﷺ:


«لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى» ،(رواه أحمد). 


كم تحتاج الأمة اليوم إلى هذه الروح؛


روح التواضع، وكسر الاستعلاء، وإحياء الأخوة الإسلامية الحقيقية.


لقد أهلكت العصبياتُ والطائفيةُ والكبرُ أممًا كثيرة، بينما يبني الإسلام مجتمعًا يقوم على التقوى، والعدل، والرحمة.


خامسًا: مِنًى وتربية التضحية من أجل الرسالة:


في الحج تعبٌ، ومشقة، وزحامٌ وإنفاق، وتركٌ للراحة والرفاهية، لكنه تعبٌ يصنع النفوس الكبيرة.


فالأمم العظيمة لا تُبنى بالترف، ولا تنهض بالشعارات فقط، بل بالتضحية والصبر والعمل.


قال تعالى:


﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، [العنكبوت: 69].


ومن يتأمل رحلة الحج يدرك أن التربية الإيمانية الحقيقية تُخرج إنسانًا قويًّا في أخلاقه، ثابتًا في مبادئه، مستعدًّا لخدمة أمته، والدفاع عن قضاياها.


سادسًا: ماذا لو عادت الأمة بروح “مِنًى”؟:


ماذا لو عادت الأمة إلى الطاعة الصادقة بدل المعصية؟


وإلى الوحدة بدل التمزق؟


وإلى النظام بدل الفوضى؟


وإلى التضحية بدل الأنانية؟


وإلى مقاومة الفساد بدل التعايش معه؟


حينها فقط ستنهض الأمة من جديد.


إن “مِنًى” ليست ذكرى موسمية، بل مشروع إصلاحٍ حضاريٍّ متكامل، يربط العبادة ببناء الإنسان، ويربط الإيمان بصناعة الأمة.


خاتمة:


يا أمة الإسلام…


في “مِنًى” دروسٌ لا تنتهي، ورسائلُ توقظ القلوب الغافلة، وتعيد ترتيب الأولويات.


هناك تتعلم الأرواح أن الطاعة تصنع القوة، وأن الوحدة تصنع النصر، وأن الإيمان إذا تحوّل إلى عملٍ؛ وحركةٍ ،وتضحية؛ تغيّر وجه التاريخ.


فليست القضية أن نزور المشاعر المقدسة فقط، بل أن نحمل رسالتها إلى واقعنا، وأسرنا، ومجتمعاتنا، وأمتنا.


ولعل أعظم ما تحتاجه الأمة اليوم:


أن تعود إلى الله كما عاد الحجيج…


بقلبٍ خاشع، وروحٍ صادقة، وعزمٍ جديد على الإصلاح، والنهوض.






إرسال تعليق

0 تعليقات