د كامل عبد القوي النحاس من الفداء إلى رفع قواعد الكعبة

 

من الفداء إلى رفع قواعد الكعبة




بقلم د كامل عبد القوي النحاس 


في قلب الصحراء القاسية، حيث لا ظل يقي من الشمس، ولا ماء يطفئ الظمأ، ولا حياة توحي بأن لهذا المكان مستقبلًا، بدأت واحدة من أعظم القصص في تاريخ البشرية.


لم تبدأ بحجارة تُرفع، ولا بجدران تُبنى، بل بدأت بقلب نبيٍّ امتلأ يقينًا بالله.


إبراهيم عليه السلام يقف أمام أمرٍ يفوق احتمال البشر: أن يترك زوجته وطفله الرضيع في وادٍ موحش لا زرع فيه ولا ماء، ثم يمضي. وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى:

﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37].


أي قلب يستطيع ذلك؟


وأي أم تستطيع أن تواجه تلك اللحظة دون أن تنهار؟


لكنها العقيدة حين تستقر في القلب؛ تمنح الإنسان قوة لا تفسرها قوانين الأرض.


وقد ثبت في صحيح البخاري أن هاجر رضي الله عنها قالت لإبراهيم عليه السلام وهو يتركها:

«آللَّهُ أمرك بهذا؟»

فلما قال: «نعم»، قالت:

«إذن لا يضيّعنا الله»(1).


بهذه الثقة بدأ كل شيء.


الصحراء التي أنجبت أعظم مركز للإيمان


لم تكن مكة يومها مدينة عظيمة، بل كانت صحراء صامتة تلفحها الرياح.

ومع ذلك اختارها الله لتكون قلب العالم المؤمن.


لأن الله أراد أن يعلم البشر أن أعظم المعاني لا تُولد دائمًا في القصور، بل قد تخرج من قلب المعاناة.


هناك، وسط الوحدة والخوف والعطش، بدأت هاجر سعيها بين الصفا والمروة تبحث عن الماء لطفلها الصغير.

كانت تركض بقلب الأم الملهوفة، لكن الله جعل من هذا السعي شعيرة خالدة؛ قال تعالى:

﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158].


وكأن السماء أرادت أن تقول: إن التضحيات الصادقة لا تضيع، بل تتحول إلى شعائر تحفظها الأجيال.


ثم تفجرت زمزم، كما في الحديث الصحيح:

«فجعلت أم إسماعيل تحوّضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف»(2).


ولم يكن الماء وحده هو الذي تفجر، بل تفجر معه ميلاد الحياة في هذا الوادي المقفر.


لقد كانت زمزم إعلانًا مبكرًا أن الله لا يترك عباده الصادقين، وأن الفرج قد يخرج من قلب اليأس نفسه.


إبراهيم يعود… لكن المهمة لم تنتهِ


مرت السنوات، وكبر إسماعيل، وعاد إبراهيم عليه السلام إلى مكة، لكن عودته لم تكن للراحة، بل لابتلاء جديد.


جاءه الأمر هذه المرة أن يبني بيتًا لله.


لم تكن هناك معدات ضخمة، ولا حضارة تمده بالعون، ولا مدينة تساعده.

فقط:


نبي شيخ كبير،


وابن صالح،


وصحراء مفتوحة،


ويقين بالله لا يتزعزع.


ويصف القرآن المشهد الخالد بقوله تعالى:

﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127].


تأمل هذا المشهد العظيم.


أب وابنه يرفعان الحجارة بأيديهما، لكنهما في الحقيقة كانا يرفعان أعظم معاني التوحيد في الأرض.


كان إسماعيل يناول الحجارة لأبيه، وكان الشيخ الكبير يبني بصبر المحبين، بينما الدعاء يخرج من قلبيهما مع كل لبنة:


﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.


يا لها من عبودية عظيمة.


يبنيان بيت الله، ومع ذلك لا يشعران بالعجب، بل بالخوف ألا يُقبل العمل.


وقد قال الحسن البصري رحمه الله:

“عملوا والله بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن تُرد عليهم.


وهنا يظهر الفرق بين أعمال المؤمنين وأعمال المتكبرين: فالمؤمن مهما عمل يبقى قلبه خائفًا من التقصير، أما المغرور فيرى نفسه أكبر من عمله.


الكعبة… بيت من حجارة أم مركز للأمة؟


لو نظر إنسان بعين المادة وحدها إلى الكعبة لقال: إنها بناء بسيط.


لكن السر لم يكن يومًا في الحجارة، بل في المعنى الذي يسكنها.


فالكعبة لم تُبنَ لتكون تحفة معمارية، وإنما لتكون مركزًا تتوحد حوله القلوب.


ولهذا قال الله تعالى:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96].


“هدى للعالمين”.


لا للعرب وحدهم، ولا لجيل بعينه، بل للبشرية كلها.


ومنذ ذلك اليوم بدأت الملايين تتجه إلى هذا البيت:


في الصلاة،


وفي الحج،


وفي الدعاء،


وفي الشوق الروحي العجيب الذي لا يفسره إلا الإيمان.


إن الناس لا يتحركون نحو الكعبة بسبب الحجارة، بل بسبب ما ترمز إليه:


التوحيد،


والخضوع لله،


ووحدة الأمة.


وقد قال سيد قطب رحمه الله:

“إنها عقيدة واحدة تتجه إلى قبلة واحدة، فتوحّد المشاعر والاتجاهات”.


ولهذا أصبح هذا البيت البسيط أعظم مركز روحي عرفه التاريخ.


لماذا بُني البيت بعد كل هذه التضحيات؟


لأن الرسالات العظيمة لا تُقام بالراحة.


لقد سبق بناء الكعبة:


فراق مؤلم،


ووحدة قاسية،


وعطش،


وخوف،


وسنوات طويلة من الصبر،


ثم اختبار الذبح العظيم الذي سجله القرآن بقوله تعالى:

﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102].


لقد كان يمكن لإبراهيم أن يبحث عن حياة هادئة، لكنه اختار طريق الرسالة.

وكان يمكن لإسماعيل أن يتمرد على قسوة الابتلاء، لكنه اختار الطاعة.

وكان يمكن لهاجر أن تستسلم لليأس، لكنها اختارت الثقة بالله.


وهكذا كانت هذه الأسرة تُربّى بالابتلاء لتصبح أهلًا لحمل أعظم رسالة.


فالأمم العظيمة لا تولد من الترف، بل من التضحية.


ولهذا بقي أثر إبراهيم آلاف السنين، بينما اختفت أمم كانت تملك المال والجيوش والقصور.


إن الذي يبقى ليس القوة المجردة، بل المعنى.


الأمة التي تدور حول معنى واحد


حين ينظر المسلم إلى الكعبة فإنه لا يرى مجرد قبلة، بل يرى معنى الوحدة.


المسلم في أقصى الأرض يقف في الصلاة متجهًا إلى النقطة نفسها التي يتجه إليها ملايين المسلمين.


والحجاج يطوفون حول بيت واحد، بثياب متشابهة، بلا فوارق طبقية ولا قومية.


إنها رسالة عظيمة: يمكن للبشر أن يجتمعوا إذا اجتمعوا حول معنى أكبر من مصالحهم الضيقة.


ولهذا كانت الكعبة أعظم رمز لوحدة الأمة.


لكن المؤلم أن الأمة اليوم ما تزال تتجه إلى القبلة نفسها، بينما تفرقت قلوبها ومصالحها وأهواؤها.


والمشكلة ليست في غياب الكعبة، بل في غياب المعنى الذي بُنيت عليه الكعبة:


معنى الطاعة،


ومعنى التضحية،


ومعنى أن يكون الله هو المركز الحقيقي للحياة.


لقد نجحت الكعبة في توحيد الأجساد، لكن الأمة تحتاج أن تستعيد وحدة القلوب أيضًا.


خاتمة: أسرة صغيرة… صنعت التاريخ


في النهاية، لم تبدأ قصة الأمة الإسلامية بجيوش جرارة ولا بإمبراطوريات ضخمة.


لقد بدأت:


بأب مطيع،


وأم صابرة،


وابن مستسلم لأمر الله.


ثم تحولت تضحيات هذه الأسرة الصغيرة إلى أعظم مشروع إيماني عرفه التاريخ.


لقد بنى إبراهيم الكعبة بالحجارة، لكنه بنى معها شيئًا أكبر بكثير: بنى فكرة الأمة، وبنى مركز التوحيد، وبنى المعنى الذي ما تزال الملايين تعيش وتموت من أجله حتى اليوم.


وهكذا أثبتت قصة الكعبة أن الأسرة المؤمنة الصادقة قد تغيّر مجرى التاريخ كله، وأن التضحية حين تُبنى لله لا تنتهي عند حدود أصحابها، بل تتحول إلى نور يمتد عبر القرون.


فالكعبة لم تكن مجرد بيت في الصحراء، بل كانت إعلانًا خالدًا أن العقيدة إذا سكنت القلوب استطاعت أن تبني أمة، وأن تغيّر مجرى التاريخ كله.






إرسال تعليق

0 تعليقات