ايمان عوض و رؤيه تحليله في نص صرخت يا محمد.. قد أجرت العاصي للروائى محي الدين حافظ
بقلم ايمان عوض
يمثل نص الأديب محي الدين محمود حافظ صدمة بلاغية في مواجهة الفكر المتطرف الجامد ومدعي التدين المتشددين ، وقد جاء النص رغم طوله بلغه مكثفه وثراء فكريا و تاريخيا بأسلوبه الخارج عن المألوف، وقد وضع عنوانا مذهلا جاء كمفتاح جامع لرؤية فلسفيه غير مباشرة لذا فإن البدء بشرح العنوان قد يربك القارئ و يعيقه على ادراك دلالاته نظرا لقوته
و بناء عليه فأرى أنه لتسهيل استيعاب القارئ فإنه لزاما علينا أن نقوم بعرض النص وتفنيده أولاً، وحل ألغاز الجمل التاريخية والمفتاحية بمنهجيه الفلاش باك والدائرة الزمنية التي يقودنا الكاتب داخلها، ليكون شرح العنوان هو التتويج والنهاية الشاملة لهذا الجهد النقدي الصعب ..
يبدأ الكاتب مستخدماً أسلوب المخاطبة لشخصية رمزية يناديها بصاحب اللحية في إشارة إلى بعض الدعاه والمؤرخين المتشددين الذين يفسرون السيرة النبوية بعيداً عن حقيقتها الإنسانية، موجها تساؤل بلهجة المحاكمة الصادمة.. كيف زيفتم التاريخ يا شيخنا الجليل؟
و يقصد الكاتب بهذا اللغز أن هؤلاء الشيوخ شاركوا بطرحهم في تزييف سيرة الرسول ورسالته إذ أطلقوا كلمة غزوات على معارك دفاعية بحتة
فالكاتب يغارص و بشدة إطلاق مصطلح الغزوات الإسلامية على معارك السيرة النبوية ليوضح من خلال المقاييس الجغرافية والعسكرية أن من بدأ بالهجوم والزحف هم قريش الذين قطعوا مئات الأميال وصولاً إلى يثرب، بينما كان المسلمون يدافعون عن أنفسهم داخل مدينتهم فوفقاً للمنطق الغازي هو المعتدي البادئ بالتحرك لنهب الآخرين وفرض إرادته، أما من يدافع عن أرضه وعرضه وماله فهو المعتدى عليه وبالتالي فإن تسمية المعارك الدفاعية بالغزوات يعد مغالطة منطقية وتاريخية فادحة تسئ للإسلام
وقد نجح النص في أن يجمع و بذكاء بين لهجتين متناقضتين تماماً تعاطف بالغ في عرض تضحيات رسول الله وبكائه وآلامه ولهجة غضب و حزم تجرم الأفكار المتحجرة التي جردت سيرة الرسول من الغايه وراء رسالته ،كأن الكاتب يقول مستنكراً...هل تحمل الرسول كل ذلك لنشر رسالة الإسلام بالسلام والمرونة والرحمة، ليأتي متبعوه اليوم ويصوروه غليظاً جافاً وأن الإسلام انتشر بحد السيف؟ إذ تعمد الكاتب مخاطبة المتلقي بأسلوب استنكاري صادم لإجباره على الخروج من منطقة الاستسلام الفكري و الحفظ والتبعيه دون فهم والذي يؤدي الى تشويه السيرة النبوية
كما أغفلوا تماماً كيف عاش النبي فقيراً ، يتيماً يتألم ويعاني الوجع من أجل إتمام الرساله مما رسخ فكرة أن الإسلام انتشر بحد السيف وإراقة الدماء، وبذلك التقت النتيجة التدميرية لطرحهم الجامد مع طرح أعداء الإسلام و المستشرقين
و تجدر الإشارة إلى أن هذا النص لا يمثل سرد تاريخيا مجرد فالكاتب يعرض بعض اللقطات التاريخيه التي اقتطفها لينقل للقارئ فكرة معينه بطريقه غير مباشره و هذا هو أسلوب الكاتب المعهود و قد نجح في نقل الشعور بوجع النبي ومعاناته من أذى أهل مكة والطائف الذين آذوه كثيراً للضغط عليه بتطليق بناته وتعذيب المسلمين بقسوة الصخرة فوق صدر بلال وآل ياسر، وبين صبره وفعله العظيم في المقابل، مما يضع النص في قالب فلسفي عاطفي فريد ثم يعرض لنا لقطات من التاريخ الحديث ليصعنا في مقارنه بين اخلاق الرسول و بين مدعين الدفاع عن حقوق الاسلام و رمي الاسلام بالباطل أنه انتشر بحد السيف و يخص المستشرقون ثم امريكا التي تدعي حمل لواء حقوق الإنسان و سأقوم بعرض و تفنيد عناصر فلسفه النص و توضيح الإشارات التاريخيه ..
اولا .. إيذاء النبي على يد أهل الطائف وأهل مكة...
يتناول الكاتب مشاهد من إيذاء الرسول و تحمله فبعد موت أبي طالب عم الرسول وسنده خرج النبي سيراً على الأقدام إلى الطائف يلتمس النصرة من قبيلة بني ثقيف، فسخروا منه ورفضوا دعوته بكبرياء، بعثوا خلفه سفهاءهم وصبيانهم، فرموه بالحجارة طوال طرقات المدينة حتى دميت قدماه الشريفتان وسال دمه الزكي
ثم يأخذنا الكاتب في لقطه اخرى بمكة، حيث كانت قريش تمنعه من الصلاة عند الكعبة، وتضيق عليه، وتضع أمعاء الجمال على ظهره وهو ساجد بينما كان مطلبه الوحيد .. لا تجعلوا بيني وبين قومي حائلاً..
أي اتركوني أنشر دعوتي وفكرتي بحرية دون ترهيب للناس، ولهم مطلق الخيار، لكنهم رفضوا وحاصروه
و يصف الكاتب هنا غلظة قلوب سادة قريش الذين واجهوا الحجة العقلية بالاستكبار وصموا آذانهم قائلين..لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلَبُونَ..فكانت قلوبهم غلف لا تنفذ إليها قيم الحرية الفكرية
ثانيا ..الضغط على النبي بتطليق بناته و قصه أبي العاص وزينب بنت الرسول كدليل قاطع على دحض الجمود و التشدد ...
تعد تلك القصه هي حلقة ربط بنائيه للنص
بل و جوهره الأساسي فهي تعرض الضغط الذي مارسه سادة بنو قريش على الرسول من ناحيه و تكشف عن سلوك الرسول تجاه قيمة الحب و الانسانيه في مواجهة القواعد الجامده
فعندما جهر النبي بالدعوة في مكة أمرت قريش ابنائهم بتطليق بنات محمد لينقلب عليه بناته أو لوضعه في إسقاط نفسي و تحميله ذنب طلاق بناته ، فطلق أبناء أبي لهب عتبة وعتيبة رقية وأم كلثوم، بينما رفض أبي العاص بن الربيع طلب بني عبد شمس وبني أمية بأن يطلق زوجته زينب بنت محمد رغم وعده في بأن يزوجوه أي امرأة يختارها من حسناوات مكة والا سيقوموا بطرده و عدم التعامل معه في التجارة ، لكن أبي العاص بكبرياء الفارس وعشقه لزوجته، رفض أوامرهم قائلاً بوفاء لا والله، لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش
هذا الموقف الإنساني العظيم لاقى احتراماً بالغاً من النبي ، الذي حفظ له مروءته ووفاءه رغم بقائه على الشرك وقتها، مؤكداً أن قيم الحب الإنساني الصادق أسمى من القوانين الجافة
ثالثاً ..تضحيات التعذيب الأوائل و استشهاد آل ياسر وصخرة بلال
أشار النص لتعذيب المسلمين على يد أهل مكه بالاشارة إلى آل ياسر.. عمار وسمية
و هم أول شهداء في الإسلام، كان بنو مخزوم وعلى رأسهم أبو جهل يقوموا بتعذيب عمار وأبيه ياسر وأمه سمية بالنار والضرب المبرح حتى قام أبو جهل بطعن سمية بحربة فماتت، لتصبح أول شهيدة في الإسلام، ومات زوجها ياسر تحت التعذيب أمام عيني ابنهما عمار.
ثم قصة بلال بن رباح..الذي كان عبداً مستضعفاً لأمية بن خلف و كان يخرجه في الظهيرة ويطرحه عارياً على ظهره ويضع الصخرة العظيمة المحماة على صدره ليترك دينه، فما كان يزيده العذاب إلا ثباتاً ويقيناً
رابعا .. قصة الإثني عشر عاماً من المعاناه...
أشار الكاتب إلى لقطه اخرى في تلك الفتره الزمنية العصيبة التي قضاها النبي والمسلمون الأوائل في مكة المكرمة منذ بعثته حتى الهجرة، والتي استغرقت في مجملها ثلاثة عشر عاماً
عانوا خلالها من الاضطهاد الجسدي الشديد والتعذيب البشع، والحصار التجاري والاجتماعي الخانق في شعب أبي طالب حتى أكلوا ورق الشجر من شدة الجوع، وصولاً إلى مصادرة أموالهم وبيوتهم، وتشريد المؤمنين، حتى المؤامرة الكبرى لمحاولة قتل النبي في فراشه ليلة الهجرة
خامسا ...مقارنه بين فتح مكة والعشرة آلاف مقاتل و دخول نابليون مصر و تدنيس الأزهر الشريف و إبادة الامريكان الهنود الحمر...
يأخذنا الكاتب إلى العام الثامن للهجرة حينما نقضت قريش صلح الحديبية فدخل الرسول مكه لانتهاء الاتفاق بمنعهم من الدخول وكان معه عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار يحملون في صدورهم ذكريات قاسية جداً ذكرتهم أسنة السيوف اللامعة بمقتل أسد الله حمزة بن عبد المطلب في أحد والتمثيل البشع بجثته حيث شق بطنه ولاكت هند بنت عتبة كبده وعذاب بلال، وقتل ال ياسر و كان قريش يتوقعون الثأر منهم جراء ما اقترفوه طوال عشرين عاماً من الدماء فالمسلمون دخلوا في ذروة قوتهم وقريش في قمة صعفها ،لكن النبي الكريم التفت إليهم وقال كلمته المفاجئة التي زلزلت الوجود وأسقطت منطق الانتقام..
ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. فقال..
لا تثريب عليكم اليوم.. اذهبوا فأنتم الطلقاء فكان عفواً تاريخياً أثبت أن القوة في الإسلام كانت للردع وصيانة الحق لا للبطش والتشفي...
ثم يدور بنا إلى حقبه زمنيه اخرى في التاريخ الحديث و بالتحديد في عام 1798م مشيرا إلى الجانب المظلم للحملة الفرنسية على مصر التي أتت و معها المستشرقين بغرض تزييف التاريخ مثلما زيفه المتشددون ..
فعندما قامت ثورة القاهرة الأولى ضد الاحتلال، قصف نابليون بونابرت أحياء المدنيين بالمدفعية، ثم اقتحم جنوده والخيالة الجامع الأزهر الشريف بجيادهم، ودنسوا حرمته، وكسروا قناديله، وعاثوا فيه فساداً، وذبحوا من فيه من مصلين أو علماء او طلاب العلم ليوضح الكاتب الفرق الشاسع بين فتح مكة النبوي النظيف، وفتوحات الغرب القائمة على الدم وتدنيس المقدسات مع الفارق أن مكه هي أرض الرسول التي أخرج منها بهتانا و جورا بينما مصر دخلها الفرنسيون استعمارا و احتلالاً...
و مرة أخرى يخترق الكاتب التاريخ و يستحضر تاريخ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية والاستعمار الأوروبي ،حيث قاموا بحملات إبادة جماعية عرقية وجسدية منظمة ضد السكان الأصليين الهنود الحمر وقتلوا منهم عشرات الملايين وسلبوا أراضيهم ودمروا حضارتهم ويستطرد الكاتب بسخريتة المعهوده قائلاً إن مدعين الحقوق الإنسانية و معاديبن الاسلام لم يكونوا يوزعون الورود في الكريسماس، بل أسسوا ديمقراطيتهم على الاباده العرقيه و الاضطهاد و التمييز العنصري ، بعكس نبي الإسلام الذي عفا عن من مارسوا عليه كل انواع التعذيب و الضغوط وهو في قمة قوته
سادسا... المفارقة الحضارية الكبرى مجمع ماكون و تكريم الرسول للمرأة ...
يأخذنا الكاتب إلى مجمع ماكون الفكري الديني الفلسفي الذي عقد في فرنسا خلال العصور الوسطى ويشار إليه مجازاً بمؤتمر مونبيلية أو معاهدات الكنيسة القديمة، حيث احتدم النقاش اللاهوتي بين الأساقفة والعلماء الأوروبيين حول مناقشة قضيه طبيعة المرأة
لا لم بناقشوا حقوقها بل طبيعتها
هل المرأة إنسان ولها روح؟ أم هي مجرد حيوان لا روح له خلقت فقط لخدمة الرجل؟
و قد انتهى المؤتمر بعد نقاش مستفيض وبفارق صوت واحد إلى قرار مخز و كوميدي جدا و هو ...أن المرأة إنسان ولكنها خلقت لخدمة الرجل فقط وهي مجردة تماماً من الحقوق المدنية والإنسانية.. و بالمقارنة مع التكريم النبوي الفارق في ذات الحقبة التاريخية وبفارق قرون، كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلن للعالم في مسجده
إنما النساء شقائق الرجال... وهدم جريمة وأد البنات، وأعاد للمرأة ذمتها المالية المستقلة تماماً، وحقها في الميراث، والتعليم، واختيار الزوج، ويأتي مشهد إجارة زينب لأبي العاص واهتزاز المسجد النبوي لها، وتلبية النبي لطلبها فوراً واحترام عهدها، ليمثل الذروة السياسية والقانونية لتكريم المرأة وإعطائها حق الفدية وحماية المستجير وهو وعي سياسي وحضاري عجزت أوروبا عن فهمه أو تطبيق جزء منه لقرون طويلة من الزمن
و إعلاء قيمة الحب والوفاء على القواعد الجامدة
يقدم النص قصة الحب الكبرى بين زينب بنت رسول الله وزوجها أبي العاص بن الربيع كقيمة إنسانية كبرى تتجاوز الخلافات العقائدية والقواعد الجافة ،ويتجسد ذلك في مشهد افتداء زينب لزوجها المشرك الأسير في يثرب بعقد أمها خديجة، وبكاء النبي الشديد عند رؤية العقد، وإجازته لفك أسره ليؤكد الكاتب بأن الدين قائم على المشاعر الإنسانية النبيلة وليس على القواعد الجامدة ولا بتجاهل الحب أو المشاعر، فالإنسان بمشاعره وحبه هو المقدم على كل القوانين
يضعنا الكاتب أمام مواجهة حادة بين مشهد نبوي يتحرك بالرحمة المطلقة والعفو، وبين صورة ذهنية دموية تروجها فئتان: مدعو العلم والخطاب الجامد من الداخل، والمستشرقون الحاقدون من الخارج والذين يتهمون الإسلام بأنه انتشر بحد السيف. وينتهي الكاتب إلى رؤية واقعية مفادها أن العدالة والرحمة نحتاج درعاً وسيفاً يحميها فالقوة في الإسلام هي قوة رادعة لحماية الحق وليست أداة للاستعلاء أو الاستعمار، وقد أصاب القول، فهو مطابِق تماماً لما جاء في قوله تعالى:
وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ..سورة الأنفال: 60-61
و تطبيقا على ما تم عرضه يمكننا أن تناول عنوان النص ..صرخت يا محمد.. لقد أجرت العاصي
كأعظم وأقوى مفتاح يلخص فلسفة النص بأكمله إنه عنوان ذكي وموجز يختزل الدائرة المغلقة التي يحكم بها الكاتب نصه ليضع القارئ محاصراً بأفكار متدفقة تنتهي بالخاتمة التساؤلية الاستنكارية.. أفلا تتفكرون.. أفلا تتدبرون؟
فقد تكون صرخة النبي المكتومة استجارة المظلوم بالخالق في قلبه الشريف أمام أهل الطائف وهو يستجير برب العزة من قلة حيلته وهوانه على الناس، والتي لم تتبعها رغبة في البطش بهم حينما قال له الله لو شئت يا محمد لاطبقت عليهم الاخشبين لكن نبي الرحمه كان دعائه .. اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون
أو ربما هي صرخة الحق في طلب نبي الله الكريم من سادة مكة المستكبرين ألا يحيلوا بينه وبين الناس، وأن يرفعوا سوط الترهيب والمنع ليتركوا له حرية عرض فكره ورسالته على العقول والقلوب دون حوائل غاشمة.
ولكن الكاتب أراد ..صرخة السيدة زينب باسم النبي مجرداً يا محمد داخل المسجد وبأعلى صوتها، لكسر القوانين الرسمية الجافة أمام جلال العاطفة، والمروءة، والحب ،وهي إعلان صريح عن سلطة تشريعية وقانونية مارستها المرأة المسلمة، وتكريم للمرأة التي منحها الإسلام مكانة، وإرادة، وذمة مالية مستقلة، بل وأهلية قانونية كاملة تستطيع بموجبها أن تدفع الاستجارة
وإذا أردنا مطابقة مفهوم الاستجارة التاريخي بمفهوم يقابله في عصرنا الحديث، سنجد أن الكفالة للإفراج عن المحتجزين هي المقابل لها والتي من أهم شروطها قانوناً أن يكون الكفيل كامل الأهلية ولديه ذمة مالية مستقلة، وبذلك تكون استجابة الرسول لصرختها بمثابة إعلان نبوي بأن المرأة كاملة الأهلية وليست كائناً ناقصاً حتى في مواجهة أعظم الخلق وأمام وليها وأبيها، مما يعكس لين القواعد الفقهية ومرونتها أمام العاطفة والمروءة.
لقد اختار الكاتب هذا الموقف تحديداً ليجعله الواجهة الحية لنصه، واستكمله من وجهتين: وجهة نظره في زينب المحبة، وفي فعل أبي العاص الفارس الوفي، ثم أتبع ذلك بردة فعل الرسول الكريم تجاه الاثنين وتجاه لين القواعد، والصفح، والمرونة في التطبيق ليثبت أن الدين في أصله بني على صيانة المشاعر النبيلة، الوفاء والرحمة ،وليس على الترهيب، ممهداً للصدمة وبشاعة المقارنة الحضارية مع تاريخ الغرب مدعي المساواة والإنسانية، ويؤيد هذا الوجدان النبوي الرقيق قول الله تعالى:
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ...سورة آل عمران: 159
ذاك هو رسول الله وسماحة خالقه تنزه وتعالى عما يصفون، وذاك هو الإسلام ومرونته، وهذا هو الدين القيم الذي أعلى شأن المرأة وأعلى شأن الأسرى، وكان قوياً جداً ولكن بقوة ردع ودفاع عن الأرض والعرض والنفس
و في ختام النص تتحول ..الهلاوس وموعد الدواء
إلى قناع ذكي جداً ورمز للبصيرة الحادة والوعي الفائق الذي يرى الحقائق المجردة خلف الزييف والزمن.. فالكاتب يستخدم الهلوسة كأداة تهكمية بليغة، إذ أن الوعي الذي يفكك قواعد جامده ويوجه النقد الصادم للمجتمع وللشيوخ التقليديين من جهة، والمستشرقين من جهة أخرى، لا يمكن أن يفهمه أو يستوعبه الأشخاص الذين اعتادوا على التبعية، الحفظ، والتلقين والانصياع للأفكار البالية ، لأن الحقيقة العارية تصيب عقولهم الضيقة بالصدمة والارتباك.
فلا يجد صاحب البصيرة الحادة مفراً سوى الادعاء طواعية بأنه حان موعد دواء الهلاوس، كاعلان استباقي لاتهاماتهم، وكأنه يريح عقولهم من العبء الثقيل لمواجهة الحقيقة التي يعجزون عن حملها، تاركاً إياهم أمام مسؤولية التدبر والتفكر العاقل مصداقاً لقول الله سبحانه وتعالى:
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ...سورة ص: 29
وقوله عز وجل:
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا
سورة محمد: 24





0 تعليقات