من جحيم الغزاة إلى جنة الملاذ
قراءة فلسفية ونفسية في مفارقة التاريخ والوعي
هناك سؤال ظل يرافقني كلما قرأت صفحات التاريخ، ليس تاريخ أوطاننا العربية وحدها، بل تاريخ كل الشعوب التي عاشت تحت الاحتلال، أو دفعت ثمنًا باهظًا من حريتها وكرامتها.
كنت أقرأ عن الغزاة الذين عبروا البحار، وعن الجيوش التي دخلت البلاد بالقوة، وعن شعوب قاومت، وأرواح أُزهقت، وأجيال دفعت من أعمارها ودمائها ثمنًا للاستقلال.
قرأت عن احتلال إسبانيا لأمريكا اللاتينية، وما تعرض له السكان الأصليون من قتل وتهجير ومحوٍ لثقافات كاملة، وعن محاكم التفتيش وما شهدته الأندلس من اضطهاد، وعن الاستعمار الأوروبي الذي امتدت آثاره إلى آسيا وإفريقيا، تاركًا خلفه حدودًا جديدة، واقتصادات منهكة، وذاكرة مثقلة بالألم.
ثم أرفع رأسي من صفحات التاريخ، فأجد الحاضر يرسم صورة تبدو وكأنها تناقض كل ما قرأته.
الدول التي كانت يومًا رمزًا للغزو والهيمنة، أصبحت عند كثيرين رمزًا للعدل، والتعليم، والتقدم، والأمان، والحياة التي يُحلم بها.
أصبحت لغاتها تُدرَّس بفخر، وجامعاتها مقصدًا للطلاب، والعمل فيها أمنية، والحصول على تأشيرة دخول إليها خبرًا سعيدًا تحتفل به العائلات.
وأحيانًا لا يكون السفر إليها مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل يصبح نجاحًا اجتماعيًا، وكأن الإنسان لم يحقق إنجازًا لأنه اجتهد، بل لأنه استطاع الوصول إلى المكان الذي يراه الجميع عنوانًا للمستقبل.
وهنا توقفت طويلًا أمام سؤال لم أستطع تجاوزه.
كيف تحولت أرض المستعمِر، في وعينا، من جحيم قاتل أجدادنا من أجل التحرر منه، إلى جنة يحلم أحفادهم بالوصول إليها؟
كيف أصبحت الأرض التي كان دخولها يومًا رمزًا للهزيمة، هي نفسها الأرض التي أصبح الوصول إليها عند كثيرين رمزًا للنجاح؟
وكيف تحولت اللغة التي ارتبطت في مرحلة من التاريخ بالسلطة والهيمنة إلى لغة يتباهى الناس بإتقانها، ويرون تعليمها لأبنائهم استثمارًا في المستقبل؟
كلما فكرت في ذلك، شعرت أن القضية ليست سياسية فقط، بل نفسية وفلسفية أيضًا.
فالإنسان، منذ فجر التاريخ، ينجذب إلى مركز القوة.
لا يقلد المنتصر لأنه يحبه بالضرورة، بل لأنه يرى فيه صورة النجاح.
يتعلم لغته، ويقتبس أسلوب حياته، ويحاول الاقتراب من عالمه، وكأن القوة لا تفرض نفسها بالسلاح وحده، بل تفرض أيضًا تعريفًا جديدًا لما يبدو جميلًا، وناجحًا، وجديرًا بالإعجاب.
ولهذا لم تكن الإمبراطوريات تنتصر بالسيوف فقط، بل كانت تنتصر حين تصبح لغتها لغة العلم، وثقافتها نموذجًا، وجامعاتها مقصدًا، وطريقتها في الحياة حلمًا يسعى إليه الآخرون.
لكن، هل يكفي هذا التفسير؟
هل تغيرت تلك الدول فعلًا؟
وهل راجعت تاريخها، واعترفت بما ارتكبته من أخطاء، وأصبحت أكثر عدلًا واحترامًا للإنسان؟
ربما نعم، إلى حد ما.
فالعالم تغير، وتطورت القوانين، وأصبحت المؤسسات أكثر قوة، وتعلمت بعض الدول من دروس تاريخها، وأدركت أن النفوذ الحقيقي لا يصنعه السلاح وحده، بل يصنعه أيضًا العلم، والاقتصاد، واحترام القانون.
لكن الدول لا تتحرك بالمشاعر وحدها.
إنها تتحرك بالمصالح.
واليوم أصبحت أغلى ثروة لا تُستخرج من باطن الأرض، بل تمشي فوقها.
إنها الإنسان.
العقل الذي يبتكر.
والطبيب الذي يعالج.
والمهندس الذي يبني.
والباحث الذي يكتشف.
والطالب الذي قد يحمل في داخله فكرة تغيّر مستقبل أمة كاملة.
ولهذا لم تعد الدول المتقدمة تنتظر أن تذهب إلى الثروات كما كان يحدث في الماضي، بل أصبحت الثروات البشرية هي التي تذهب إليها.
جامعاتها تستقطب أفضل الطلاب.
وشركاتها تبحث عن ألمع العقول.
ومعاملها تحتضن الباحثين من مختلف أنحاء العالم.
ومن الطبيعي أن يقبل الإنسان المكان الذي يفتح له أبوابه، ويقدّر علمه، ويوفر له البيئة التي تساعده على الإبداع.
لكن المفارقة لا تزال قائمة.
قديمًا كانت السفن تحمل الذهب والخيرات إلى أوروبا.
أما اليوم، فالمطارات تحمل العلماء، والأطباء، والمهندسين، والباحثين، والمبتكرين.
تغيرت الثروة.
وتغيرت وسائل انتقالها.
لكن السؤال ظل كما هو:
هل انتهى زمن الاستعمار فعلًا؟
أم أن العالم انتقل من التنافس على ثروات الأرض إلى التنافس على ثروات الإنسان؟
وربما لا يصح أن نقارن الهجرة بالاستعمار؛ فالهجرة، في كثير من الأحيان، اختيار إنساني مشروع، ومن حق الإنسان أن يبحث عن العلم، والكرامة، والأمان، وحياة أفضل.
لكن السؤال الذي يلاحقني ليس:
لماذا يرحل الإنسان؟
بل:
كيف أصبح الرحيل إلى أرض المستعمِر السابق حلمًا، بينما أصبح البقاء في الوطن، عند كثيرين، أشبه بمحاولة مستمرة لمقاومة اليأس؟
ولعل المفارقة تبلغ ذروتها حين لا يعود الوصول إلى تلك الأرض مجرد حلم، بل يصبح حلمًا يستحق عند بعض الناس أن يغامروا بحياتهم من أجله.
كم من شاب يبيع ما تملك أسرته، ويودع أمه، ثم يصعد إلى قارب متهالك، لا يعلم إن كان سيصل إلى الضفة الأخرى أم سيبتلعه البحر قبل أن يراها.
إنه لا يهرب من البحر وحده، بل يهرب من واقع لم يعد يرى فيه مكانًا لحلمه.
يبحث عن عمل، أو تعليم، أو قانون يحميه، أو فرصة يشعر معها أن جهده لن يضيع.
والمشهد فى حد ذاته يثير سؤالًا مؤلمًا.
فى الماضى، كانت السفن تحمل الجيوش القادمة لاحتلال أوطان الآخرين.
واليوم، تحمل القوارب الصغيرة أبناء تلك الأوطان إلى شواطئ الدول التى كانت يومًا قوة استعمارية.
فى الماضى، كان الناس يخاطرون بحياتهم دفاعًا عن الأرض.
واليوم، يخاطر بعضهم بحياته من أجل مغادرتها.
كيف حدث هذا التحول؟
هل أصبح الواقع أقوى من الذاكرة؟
أم أن الإنسان، مهما احتفظ بتاريخ أجداده، يبقى فى النهاية باحثًا عن المكان الذى يمنحه فرصة للحياة؟
وربما هنا يكمن الفرق بين الذاكرة والاحتياج.
فالذاكرة تقول للإنسان: لا تنسَ ما حدث.
أما الاحتياج فيقول له: ابحث عن المكان الذى تستطيع أن تعيش فيه بكرامة.
وحين يشتد الاحتياج، يصبح صوته أعلى من أصوات كثيرة.
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس لماذا يهاجر الناس...
بل لماذا أصبحت الهجرة، عند قطاعات واسعة من الشباب، الحلم الأكبر؟
لماذا يكبر الطفل وهو يسمع أن النجاح ينتظره فى مكان آخر؟
ولماذا أصبح الحصول على إقامة، أو جنسية أجنبية، يُعامل أحيانًا وكأنه شهادة نجاح فى حد ذاته، حتى لو كان صاحبها يبدأ هناك من أعمال بسيطة لا تتناسب مع مؤهلاته؟
ربما لأن الإنسان لا يبحث عن الثراء فقط.
إنه يبحث عن الاعتراف.
عن الشعور بأن جهده سيؤتى ثماره.
وعن مجتمع يرى فيه قيمة، لا رقمًا يمكن الاستغناء عنه.
ومن هنا تبدأ هجرة العقول، وهى فى رأيى لا تقل خطورة عن هجرة الأجساد.
فالطبيب الذى تعلم فى وطنه، والباحث الذى أنفقت عليه جامعات بلاده، والمهندس الذى اكتسب خبرته بين أهله، يصبح جزءًا من نهضة مجتمع آخر، لأن المجتمع الذى نشأ فيه لم يستطع أن يمنحه البيئة التى يحتاجها.
وليس فى ذلك لوم للمهاجر، كما أنه ليس مديحًا للهجرة.
إنها مفارقة أخرى.
الوطن ينفق سنوات فى تعليم أبنائه، ثم تجنى ثمار هذا التعليم أوطان أخرى.
ولعل هذا يدفعنا إلى سؤال أكثر عمقًا:
هل نخسر أبناءنا لأن العالم الأول يجذبهم؟
أم لأننا لم نستطع نحن أن نجعل البقاء خيارًا يستحق أن يُختار؟
ربما لا توجد إجابة واحدة.
فالتاريخ له أثره.
والاقتصاد له أثره.
وطبيعة إدارة الدول لها أثرها.
لكن هناك سؤالًا لا أستطيع تجاوزه.
لماذا استطاعت دول خرجت من الحروب والدمار، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، أن تتعلم من العالم دون أن تفقد ثقتها بنفسها؟
لقد تعلمت من الغرب، لكنها لم تحاول أن تصبح نسخة منه.
حافظت على لغتها، وبنت جامعاتها، واستثمرت فى الإنسان، حتى أصبحت هى نفسها مقصدًا للعلم والتكنولوجيا.
لم يكن سر نجاحها أنها رفضت الحضارة الغربية، ولا أنها ذابت فيها.
بل لأنها آمنت أن التعلم من الآخرين لا يعنى التخلى عن الذات.
وهنا أجد نفسى أطرح السؤال بصورة مختلفة.
المشكلة ليست فى أن نتعلم لغة أجنبية.
ولا فى أن نسافر.
ولا فى أن نبحث عن فرصة أفضل.
بل تبدأ المشكلة عندما نقتنع أن لغتنا لا تصلح، وأن ثقافتنا لا تنتج، وأن أوطاننا لا يمكن أن تصبح أفضل.
عندما يتحول الإعجاب بالآخر إلى فقدان للثقة بالنفس.
وعندما يصبح الخارج هو الحلم الوحيد، بينما يتحول الوطن إلى مجرد محطة مؤقتة ننتظر مغادرتها.
وربما لهذا لا أرى أن القضية الحقيقية هى الهجرة.
ولا حتى الاستعمار.
بل الوعى.
الوعى الذى يحدد كيف ننظر إلى أنفسنا، وكيف ننظر إلى الآخرين.
فليس مطلوبًا أن ننغلق على العالم، فالحضارات لا تنمو فى العزلة.
وليس مطلوبًا أن نرفض التعلم من الأمم التى سبقتنا.
لكن من المؤلم أن نتعلم من العالم كله، ثم نفقد إيماننا بأن لدينا نحن أيضًا ما يمكن أن نضيفه إلى هذا العالم.
ربما لم يكن أخطر ما تركه الاستعمار وراءه هو الخراب الذى أصاب الأرض، ولا الثروات التى خرجت منها.
وربما لم يكن أخطر ما فعله أنه رسم حدودًا جديدة على الخرائط.
لعل أثره الأعمق يظهر حين يكبر بعض أبناء هذه الأوطان وهم يعتقدون أن أجمل أحلامهم لا يمكن أن تتحقق إلا خارجها.
وحين تصبح الهجرة مشروعًا جماعيًا، لا قرارًا فرديًا.
وحين يصبح الرحيل انتصارًا، بينما يبدو البقاء وكأنه هزيمة.
عندها لا يكون السؤال عن الغرب.
ولا عن الشرق.
ولا عن الماضى.
بل عن الإنسان نفسه.
كيف يصنع القوة صورةً للحلم؟
وكيف تتحول الجغرافيا، مع مرور الزمن، من ذاكرة للحروب... إلى وعد بالخلاص؟
ربما لا أملك إجابة قاطعة.
لكن يبقى سؤال أخير أظنه يستحق أن يبقى مفتوحًا:
كيف تحولت أرضٌ قاتل أجدادنا من أجل تحريرها... إلى مكان يحلم أحفادهم بالرحيل عنه؟
وماذا ينقص أوطاننا، حتى يصبح البقاء فيها حلمًا... لا تضحية؟
بقلم






0 تعليقات