مصر التي عوقبت من أجل السلام بقلم خالد البنا جارديان عربية

 

مصر التي عوقبت من أجل السلام




بقلم خالد البنا 

مصر التي عوقبت من أجل السلام

قراءة في مفارقة عربية من عام 1979

في التاريخ السياسي لحظات لا تكمن أهميتها في الحدث نفسه، وإنما في الأسئلة التي يتركها الحدث معلقة في الهواء.

ومن هذه اللحظات تلك التي عاشها العالم العربي في عام 1979.

ففي سبتمبر 1978 اجتمع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن والرئيس الأمريكي جيمي كارتر في كامب ديفيد، وانتهت المفاوضات إلى إطار للسلام، ثم جرى توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في واشنطن في 26 مارس 1979. وكان جوهر الاتفاق بالنسبة إلى مصر استعادة سيناء كاملة وفق ترتيبات الانسحاب والسلام، وإنهاء حالة الحرب الرسمية مع إسرائيل.

لكن العالم العربي لم يستقبل الخطوة باعتبارها مجرد اتفاق مصري إسرائيلي.

لقد رآها عدد من الأنظمة العربية آنذاك خروجًا على الموقف العربي الجماعي، واعتبر معارضو السادات أن مصر، وهي الدولة العربية الأكبر والأثقل عسكريًا وسياسيًا، قد اختارت طريقًا منفردًا في التعامل مع إسرائيل.

وهنا بدأت واحدة من أكثر صفحات التاريخ العربي إثارة للأسئلة.

فمصر قوطعت دبلوماسيًا، ونُقلت جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس، وأوقفت برامج المساعدات المالية والفنية العربية لمصر، وجُمِّدت عضوية مصر في الجامعة والمنظمات العربية المرتبطة بها. وقد أقرت هذه الإجراءات في بغداد في نهاية مارس 1979.

كان السؤال الذي يفرض نفسه آنذاك:

إذا كانت القضية هي رفض التحالف مع الولايات المتحدة، فكيف نفهم العلاقات الوثيقة التي كانت تربط عددًا من دول الخليج بواشنطن

وإذا كانت القضية هي فلسطين، فكيف يمكن أن تتعامل الدول العربية مع الولايات المتحدة، القوة الدولية الكبرى الداعمة لإسرائيل، في الوقت الذي تعاقب فيه مصر لأنها اختارت التفاوض المباشر من أجل إنهاء الحرب واستعادة أرضها

هنا ينبغي أن نكون أكثر دقة من مجرد إطلاق الأحكام.

فالعلاقات الخليجية الأمريكية لم تكن وليدة كامب ديفيد، بل كانت قائمة على مصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية متشابكة. وكانت الولايات المتحدة ترتبط بعلاقات وثيقة مع السعودية ودول الخليج، بينما كانت قضية النفط والأمن الإقليمي والتوازن الدولي في قلب هذه العلاقات.

وفي المقابل، لم يكن الموقف الخليجي نفسه من كامب ديفيد موحدًا منذ البداية.

والوثائق الأمريكية تكشف مفارقة شديدة الدلالة.

ففي أكتوبر 1978، كان ولي العهد السعودي آنذاك فهد بن عبد العزيز يؤكد للسفير الأمريكي أن السعودية تدعم جهود كارتر لتنفيذ اتفاقات كامب ديفيد، بل كان يتحدث عن استمرار الدعم السياسي والاقتصادي لمصر. كما حاولت الرياض منع قمة بغداد من أن تتحول إلى منصة لعزل مصر أو إدانتها.

إذن فالصورة لم تكن:

الخليج ضد مصر منذ اللحظة الأولى.

بل كانت أكثر تعقيدًا

الخليج بين علاقته بواشنطن، وموقفه من إسرائيل، وحساباته داخل النظام العربي.

ثم جاءت معاهدة السلام في مارس 1979، فتحولت الخلافات إلى إجراءات عملية.

وفي مؤتمر بغداد، ظهرت الخلافات العربية بوضوح. فقد كانت السعودية تميل إلى إجراءات محدودة، بينما دفعت دول أخرى نحو القطيعة الشاملة. وفي النهاية أُقرت إجراءات واسعة ضد مصر، شملت قطع العلاقات الدبلوماسية، وتعليق عضوية مصر في الجامعة العربية، ونقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس، ووقف برامج المساعدات المالية والفنية.

وهنا تظهر المفارقة التي تستحق أن يتوقف عندها المؤرخ.

لم تكن المشكلة في مجرد وجود علاقة عربية بالولايات المتحدة.

فذلك كان واقعًا سياسيًا قائمًا.

ولم تكن المشكلة أيضًا في مجرد التفاوض مع الغرب؛ إذ كانت العواصم العربية نفسها تستخدم القنوات الأمريكية والأوروبية في إدارة مصالحها وأمنها واقتصادها.

إنما كان الخلاف الأساسي متعلقًا بالطريقة التي اختارت بها مصر أن تدير بها الصراع العربي الإسرائيلي: هل يكون القرار جماعيًا عربيًا، أم أن لكل دولة الحق في أن تتحرك وفق مصالحها الوطنية

وهذه ليست مسألة بسيطة.

فأنصار الموقف العربي الجماعي كانوا يرون أن خروج مصر من المواجهة العسكرية يضعف القدرة العربية على التفاوض الجماعي بشأن فلسطين.

أما الجانب المصري فكان يستطيع أن يقول: لقد خاضت مصر عدة حروب، وخسرت آلاف الأرواح، واحتلت إسرائيل سيناء، فلماذا لا يكون من حق الدولة المصرية أن تستعيد أرضها عبر التفاوض إذا كان ذلك ممكنًا؟

ومن هنا جاء الصدام بين مفهومين:

الأمن القومي العربي من ناحية،

والمصلحة الوطنية المصرية من ناحية أخرى.

واللافت أن التاريخ اللاحق جعل السؤال أكثر تعقيدًا.

فمعاهدة السلام أدت إلى انسحاب إسرائيلي من سيناء وفق الجدول المتفق عليه، بينما بقيت القضية الفلسطينية دون حل شامل. ومن ثم أصبح من الممكن تاريخيًا النظر إلى كامب ديفيد من زاويتين مختلفتين: زاوية ترى فيها أول اختراق عربي لمعاهدة سلام مع إسرائيل، وزاوية أخرى ترى أن الاتفاق المصري الإسرائيلي لم ينجح في إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وهنا لا ينبغي للمؤرخ أن يتحول إلى محامٍ عن أحد الطرفين.

فالتاريخ لا يسأل فقط:

من كان على حق

بل يسأل أيضًا

لماذا اتخذ كل طرف موقفه وما المصالح التي كانت وراء ذلك الموقف

في عام 1979 كانت الولايات المتحدة حليفًا مهمًا لعدد من دول الخليج، وكانت مصر قد أصبحت في الوقت نفسه شريكًا أساسيًا لواشنطن في مسار السلام.

ومع ذلك قُوطعت مصر عربيًا بسبب اختيارها التفاوض المنفرد.

وهذه المفارقة تكشف شيئًا أعمق في العلاقات الدولية:

الدول لا تتحرك دائمًا وفق الشعارات التي ترفعها، وإنما وفق شبكة معقدة من المصالح والأمن والاقتصاد والتوازنات الإقليمية والضغوط الداخلية.

ولذلك فإن قراءة عام 1979 بمنظار واحد قد تظلم التاريخ.

فليس كل من تعامل مع واشنطن كان متخليًا عن فلسطين، وليس كل من عارض كامب ديفيد كان بالضرورة يملك بديلًا عمليًا لحل القضية الفلسطينية.

وبين الموقفين ظلت فلسطين هي السؤال الذي لم يجد جوابًا نهائيًا.

أما مصر، فقد خرجت من المقاطعة العربية بعد سنوات، وعادت إلى الجامعة العربية عام 1989، وعاد مقر الجامعة إلى القاهرة في العام نفسه.

وهكذا، وبعد أن هدأ غبار المعركة السياسية، بقيت أمام المؤرخ صورة شديدة الدلالة:

دولة عربية وقعت السلام مع إسرائيل، فقوطعت عربيًا.

ودول عربية كانت تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة، لكنها لم تُعامل بالطريقة نفسها.

والدرس هنا ليس إدانة طرف أو تبرئة طرف.

الدرس أن السياسة العربية في نهاية السبعينيات لم تكن كتابًا من الشعارات، بل كانت كتابًا من المصالح المتشابكة والتوازنات المتعارضة.

ومن يقرأ الوثائق لا يملك إلا أن يسأل

هل كانت الخلافات حول فلسطين وحدها

أم كانت فلسطين، في جانب منها، عنوانًا لصراع أوسع حول:

من يملك قرار الحرب

ومن يملك قرار السلام

وهل القرار العربي قرار جماعي، أم أن لكل دولة حقها في أن تبحث عن أمنها ومصالحها بطريقتها؟

ربما كان هذا هو السؤال الحقيقي الذي أخفته ضجة عام 1979.

والتاريخ، بعد ما يقرب من نصف قرن، ما زال ينتظر الإجابة.

اعتمدتُ هنا على الوثائق الدبلوماسية الأمريكية المنشورة رسميًا، مع الاستعانة بتغطية صحفية معاصرة للأحداث، حتى يكون المقال أقرب إلى طريقة يونان لبيب رزق في تفكيك الحدث داخل سياقه لا إلى مجرد مرافعة سياسية.



إرسال تعليق

0 تعليقات