حين بكت أمي
رواية اجتماعية إنسانية
تأليف: هاجر أبوزيد
إلى القلب الذي أحبني قبل أن يراني، وحمل همّي قبل أن أعرف معنى الهم.
إلى اليد التي مسحت دموعي في طفولتي، ولم تجد يدًا تمسح دموعها حين كبرت.
إلى كل أمٍّ أخفت وجعها خلف ابتسامة، وقالت: «أنا بخير»، بينما كان قلبها ينزف ألف مرة.
وإلى كل إنسان أدرك قيمة أمه بعد أن أصبح الوصول إليها أمنية لا تتحقق.
هذه الرواية لكل أمٍّ أعطت عمرها، ولم تطلب سوى أن يبقى أبناؤها بخير.
مقدمة الرواية
هناك وجع لا يُحكى، ودموع لا يراها أحد، وقلوب تنكسر في صمت حتى لا يشعر بها من نحب.
وأقسى أنواع الوجع أن تكون أمًّا، وأن يصبح أبناؤك الذين سهرتِ من أجلهم غرباء عن قلبك، وأن تنتظري رنين الهاتف بالساعات، فلا يأتي، ثم تقنعي نفسك بأنهم مشغولون، وأن الحياة أخذتهم منك قليلًا، وأنهم سيعودون غدًا.
لكن الغد قد يتأخر، والعمر لا ينتظر أحدًا.
هذه ليست حكاية أمٍّ مثالية لا تخطئ، بل حكاية امرأة عاشت، وتعبت، وخافت، وأحبت، وضحّت، وأخفت أسرارًا لم يعرفها أبناؤها إلا حين أصبح الندم أثقل من الكلام.
### الفصل الأول: آخر رغيف في البيت
كانت الساعة تقترب من الخامسة فجرًا، حين فتحت فاطمة عينيها على صوت الرياح وهي تضرب نافذة غرفتها الصغيرة.
مدّت يدها تتحسس طرف الفراش، ثم جلست ببطء وهي تشعر بألم في ظهرها. لم تعد كما كانت في شبابها؛ فقد سرقت السنوات من جسدها قوته، وتركت على وجهها خطوطًا تحكي قصصًا لم يسمعها أحد.
نظرت إلى صورة زوجها الراحل المعلقة على الحائط، وهمست:
— صباح الخير يا أبو أحمد... يا ترى لو كنت عايش، كنت هتسيبني لوحدي كده؟
لم ينتظر السؤال إجابة.
نهضت، وارتدت ثوبها القديم، ثم دخلت المطبخ لتعد الإفطار. فتحت الخزانة، فلم تجد سوى رغيفين من الخبز وقطعة صغيرة من الجبن.
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت لنفسها:
— الحمد لله... يكفّوا لحد آخر النهار.
كانت معتادة أن تقول «الحمد لله» حتى في الأيام التي لم يكن لديها فيها ما يكفيها. لم تكن تريد أن يشعر أحد أبنائها بأنها تحتاج إلى شيء.
كان لديها ثلاثة أبناء: أحمد، ومريم، ويوسف.
أحمد، ابنها الأكبر، الذي باعت من أجله ذهبها حتى يكمل دراسته. ومريم، ابنتها الوحيدة، التي سهرت بجوارها ليالي طويلة حين كانت مريضة. ويوسف، أصغرهم، الذي كانت تحمله بين ذراعيها وتخاف عليه من نسمة الهواء.
كبروا جميعًا، وغادروا البيت واحدًا بعد الآخر.
وبقيت فاطمة وحدها.
لم تكن الوحدة هي ما يؤلمها، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يفهمها إلا من أحب بصدق: كوب الشاي الذي اعتادت أن تعدّه لزوجها، صوت الأقدام التي كانت تركض نحوها عند عودتها من السوق، وصوت أحد أبنائها وهو يناديها من آخر الشارع:
«يا أمي!»
جلست إلى المائدة، وأخرجت هاتفها القديم من درج الخزانة.
فتحت أسماء أبنائها، وتوقفت عند اسم أحمد.
ضغطت على الاتصال، ثم تراجعت.
قالت لنفسها:
— يمكن نايم... شغله كتير، مش عايزة أزعجه.
انتقلت إلى اسم مريم، وظلت تنظر إليه طويلًا.
— يمكن عندها عيالها ومشاغلها.
أما يوسف، فكانت آخر مرة تحدثت إليه قبل أسبوع، حين أخبرها أنه سيزورها قريبًا.
«قريبًا»...
كلمة صغيرة، لكنها أصبحت عند فاطمة موعدًا مفتوحًا مع الانتظار.
في تلك اللحظة، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
نهضت بسرعة، وكأن قلبها سبق قدميها.
فتحت الباب، فوجدت طفلًا صغيرًا من أبناء الجيران يحمل طبقًا مغطى.
قال الطفل:
— طنط فاطمة، ماما بتقول لك ده فطار، وبتسلم عليكِ.
ابتسمت فاطمة، وأخذت الطبق.
— سلّم لي عليها يا حبيبي، وقول لها ربنا يبارك لها في عيالها.
أغلقت الباب، وأسندت ظهرها إليه.
ثم نظرت إلى الطبق، وانفجرت بالبكاء.
لم تكن تبكي بسبب الجوع.
كانت تبكي لأنها تلقت اهتمامًا من جارة لم تربطها بها صلة دم، بينما مرّ أسبوع كامل دون أن يسألها أحد أبنائها إن كانت قد أكلت أم لا.
مسحت دموعها بسرعة، كأن أحدًا قد يراها.
ثم رفعت عينيها إلى السماء وقالت:
— يا رب، أنا مش زعلانة منهم... أنا بس نفسي أحس إني لسه أمهم.
لكن فاطمة لم تكن تعرف أن ذلك الصباح سيغيّر حياتها كلها، وأن سرًّا قديمًا تخبئه في صندوق خشبي تحت سريرها، سيجعل أبناءها الثلاثة يعودون إلى البيت الذي هجروه.
ولم تكن تعرف أن عودتهم لن تكون كما تمنّت طوال سنواتها.



0 تعليقات