من كتاب من أعماق النفس الإنسانية
تأليف خالد البنا.. حنان مصطفى
قراءة تحليلية في كتاب أوتو فينيخل نظرية العصاب في التحليل النفسي
نعود إلى رحلتنا في كتاب أوتو فينيخل نظرية العصاب في التحليل النفسي وننتقل الآن إلى الفصل الرابع، بعد أن انتهينا من منهج التحليل النفسي وكيفية فهم كلام المريض ومقاومته وتحويله.
هذا الفصل مهم؛ لأنه يحاول الإجابة عن سؤال جوهري
كيف تتكوّن النفس الإنسانية في سنواتها الأولى؟ وكيف ينتقل الطفل من كائن يعتمد على الآخرين اعتمادًا شبه كامل إلى إنسان يدرك نفسه والعالم من حوله
الحلقة السادسة
الحلقة السادسة: كيف تتكوّن الأنا في السنوات الأولى من العمر
تمهيد الطفل ليس صفحة بيضاء تمامًا
عندما ننظر إلى طفل صغير، نرى كائنًا ضعيفًا يعتمد على أمه أو من يرعاه في الطعام والدفء والحماية والراحة.
لكنه، من الناحية النفسية، ليس مجرد جسد ينمو، بل إنسان تتشكل داخله تدريجيًا طريقة إدراكه لنفسه وللآخرين وللعالم.
فالطفل لا يولد وهو يمتلك فهمًا ناضجًا لذاته، ولا يعرف منذ البداية أين تنتهي حدود جسده وأين يبدأ العالم الخارجي، ولا يستطيع أن يميز دائمًا بين ما يرغب فيه وما يحدث بالفعل.
ومن هنا يبدأ سؤال التحليل النفسي:
كيف تتكون الأنا
وكيف يتعلم الطفل أن له وجودًا مستقلًا عن أمه، وأن العالم الخارجي ليس امتدادًا لرغباته
هذا هو الموضوع الأساسي الذي يتناوله فينيخل في الفصل الرابع، الذي يحمل عنوان:
التطور النفسي المبكر: الأنا البدائية.
ويعرض الفصل مجموعة من الموضوعات، منها المراحل الأولى للنمو النفسي، وتكوين الأنا، والإدراك المبكر، والتماهي الأولي، والشعور بالقدرة والسيطرة، ونشأة القلق والتفكير والإحساس بالواقع.
وسنشرحها تباعًا.
أولًا لماذا يصعب دراسة نفس الطفل في سنواته الأولى
يواجه الباحث في علم النفس مشكلة كبيرة عندما يحاول فهم السنوات الأولى من حياة الإنسان.
فالطفل الرضيع لا يستطيع أن يشرح لنا ما يشعر به، ولا يستطيع أن يخبرنا كيف كان يدرك أمه، أو كيف كان يفهم غيابها، أو ماذا كان يحدث داخله عندما يشعر بالجوع أو الخوف.
إذن، كيف نعرف ما يحدث في نفس الطفل
اعتمد التحليل النفسي الكلاسيكي على عدة مصادر، منها
ملاحظة سلوك الأطفال.
دراسة أحلام البالغين وتداعياتهم النفسية.
تحليل الحالات المرضية ومحاولة فهم جذورها المبكرة.
مقارنة الملاحظات الإكلينيكية بالتطور النفسي المعروف لدى الأطفال.
لكن علينا أن ننتبه إلى أن استنتاجات التحليل النفسي عن الحياة النفسية للرضيع ليست كلها حقائق مثبتة بصورة قاطعة.
فبعضها يمثل تصورات نظرية تاريخية، وبعضها يحتاج إلى مراجعة في ضوء أبحاث علم النفس النمائي الحديثة.
2
ثانيًا المراحل الأولى من الحياة النفسية
يبدأ الطفل حياته في حالة اعتماد شديد على من يرعاه.
فهو يحتاج إلى شخص آخر لكي يحصل على الطعام والدفء والنظافة والأمان.
وعندما يشعر بالجوع، لا يستطيع أن يذهب إلى المطبخ ليحضر طعامًا، وعندما يشعر بالبرد لا يستطيع أن يغطي جسده بنفسه.
إنه يحتاج إلى الآخر.
وهنا تظهر أهمية العلاقة الأولى بين الطفل ومقدم الرعاية.
فالطفل لا يتعلم من خلالها إشباع حاجاته الجسدية فقط، بل يبدأ أيضًا في تكوين توقعاته عن العالم.
هل يأتي الآخر عندما أبكي
هل أجد الراحة عندما أتألم
هل العالم مكان يمكن الوثوق به
هذه الأسئلة لا يطرحها الطفل بالكلمات، لكنها تعبّر عن خبرات تتراكم مع الوقت وتؤثر في نموه النفسي.
2
ثالثًا.. اكتشاف الآخر وتكوين الأنا
من الموضوعات الأساسية في هذا الفصل مسألة اكتشاف الطفل للأشياء والأشخاص المحيطين به، وتكوين الإحساس بالذات.
في البداية، تكون خبرة الطفل بالعالم محدودة، وتعتمد بدرجة كبيرة على الإحساس الجسدي والانفعالات والتفاعل مع المحيطين به.
ثم يبدأ تدريجيًا في التمييز بين جسده والأشياء الخارجية.
يدرك أن يده جزء من جسده، وأن اللعبة الموجودة أمامه شيء آخر، وأن الشخص الذي يحمله ليس هو نفسه.
وهنا نقترب من فكرة مهمة
الأنا لا تظهر مكتملة منذ الولادة، بل تنمو وظائفها تدريجيًا.
والأنا في نظرية فرويد ليست مجرد شعور الإنسان بأنه موجود، وإنما مجموعة من الوظائف النفسية التي تساعده على إدراك الواقع وتنظيم السلوك والتعامل مع الرغبات والمخاطر.
ومن المهم ألا نخلط بين هذا التصور التحليلي وبين المعنى اليومي لكلمة الأنا، التي قد تعني الغرور أو الأنانية.
4
رابعًا الإدراك المبكر والتماهي الأولي
يتناول فينيخل موضوع الإدراك المبكر والتماهي الأولي.
والتماهي في التحليل النفسي يعني أن الإنسان قد يستدخل بعض صفات الأشخاص المهمين في حياته، أو يتخذهم نماذج نفسية يتأثر بها في تكوين شخصيته.
فالطفل يتعلم من خلال علاقته بمن يرعاه.
يرى تعبيرات وجهه، ويسمع صوته، ويتأثر بطريقة حمله وتهدئته، ثم تتراكم هذه الخبرات في حياته النفسية.
ولنأخذ مثالًا
طفل كلما بكى وجد شخصًا يقترب منه، ويحمله، ويحاول فهم حاجته.
وطفل آخر لا يجد استجابة منتظمة، وقد يتعرض للإهمال أو القسوة.
لا يعني ذلك أن الأول سيصبح بالضرورة إنسانًا سويًا، أو أن الثاني محكوم عليه بمشكلات نفسية.
لكن نوعية الرعاية والخبرات المبكرة يمكن أن تؤثر في شعور الطفل بالأمان وفي الطريقة التي يتعامل بها مع الآخرين لاحقًا.
وهنا تظهر أهمية العلاقة الأولى في تشكيل التوقعات النفسية عن الذات والعالم.
5
خامسًا الشعور بالقدرة المطلقة وتقدير الذات
من الأفكار التي يناقشها الفصل ما يرتبط بالشعور بالقدرة المطلقة وتقدير الذات.
فالطفل الصغير لا يدرك حدود قدرته كما يدركها الإنسان البالغ.
إنه يرغب في شيء، ويبكي، ثم يأتي شخص آخر فيحقق له حاجته.
ومع تكرار هذه الخبرة، قد يبدو العالم في خبرته المبكرة وكأنه يستجيب لرغباته.
لكن الطفل يكتشف تدريجيًا أن رغباته ليست أوامر للعالم.
فهو يريد الطعام، لكنه ينتظر.
ويريد اللعبة، لكنه قد لا يستطيع الوصول إليها.
ويريد وجود أمه، لكنها قد تغيب لبعض الوقت.
ومن خلال هذه الخبرات يبدأ في اكتشاف حدود قدرته.
وهذا الانتقال مهم؛ لأنه يساعده على بناء علاقة أكثر واقعية بالعالم.
أما تقدير الذات، فيتأثر بخبرات النجاح والفشل، وبطريقة تعامل الآخرين معه، وبمدى شعوره بأنه مقبول وقادر على التأثير في محيطه.
سادسًا: الحركة والسيطرة على العالم
ينتقل الطفل تدريجيًا من الاعتماد شبه الكامل على الآخرين إلى اكتساب قدرات حركية أكثر استقلالًا.
يتحرك، ويمسك الأشياء، ويحاول الوصول إلى ما يريده، ثم يتعلم المشي والكلام واستخدام أدوات البيئة المحيطة به.
وهذه ليست مجرد تطورات جسدية.
إنها تفتح أمامه مجالًا جديدًا من الخبرة النفسية.
فالطفل الذي كان ينتظر أن يحضر له الآخر كل شيء، يستطيع الآن أن يتحرك باتجاه الشيء الذي يريده.
وبذلك تتطور قدرته على الفعل والمبادرة والتأثير في البيئة.
ويمكننا أن نفهم من ذلك أن الاستقلال النفسي لا ينشأ بقرار مفاجئ، وإنما يتطور تدريجيًا مع نمو القدرات الجسدية والعقلية والاجتماعية.
7
سابعًا كيف ينشأ القلق
القلق من الموضوعات المهمة في نظرية التحليل النفسي.
فالطفل يواجه خبرات لا يستطيع فهمها أو السيطرة عليها.
قد يشعر بالجوع، أو الألم، أو الخوف، أو الانزعاج، ولا يعرف كيف يتخلص منها بمفرده.
ومع تطوره، يبدأ في تكوين توقعات بشأن مصادر الراحة والخطر.
ومن هنا يمكن أن نفهم أهمية الإحساس بالأمان في السنوات الأولى.
لكن يجب التمييز بين القلق الطبيعي الذي يصاحب النمو، وبين الاضطرابات النفسية التي تحتاج إلى تقييم متخصص.
ليس كل طفل يبكي أو يخاف أو يتشبث بأمه طفلًا يعاني من اضطراب نفسي.
فالقلق في بعض مراحله جزء من النمو الطبيعي، وتختلف مظاهره باختلاف العمر والظروف والشخصية.
8
ثامنًاالتفكير والإحساس بالواقع
من أهم التحولات في النمو النفسي أن يتعلم الطفل التمييز بين الرغبة والواقع.
فالطفل قد يرغب في وجود أمه، لكنه لا يستطيع أن يجعلها حاضرة بمجرد الرغبة.
وقد يريد لعبة بعيدة، لكنه يحتاج إلى أن يتحرك نحوها.
ومع تكرار الخبرات، يتعلم أن العالم له قوانينه الخاصة، وأن إشباع الرغبات يحتاج أحيانًا إلى الانتظار والعمل والتكيف.
وهنا تتطور وظائف مهمة، مثل
الانتباه.والذاكرة.وتوقع النتائج.وتأجيل الإشباع.
وحل المشكلات.والتمييز بين الخيال والواقع.
وهذه الوظائف لا تنمو في وقت واحد، وإنما تتطور تدريجيًا مع النضج والتعلم والخبرة.
9
تاسعًا كيف تتعامل الأنا مع الدوافع
يتناول الفصل كذلك موضوع دفاعات الأنا ضد الاندفاعات.
والمقصود بالدفاعات في التحليل النفسي أن النفس قد تستخدم عمليات نفسية لتخفيف القلق أو التعامل مع رغبات أو مشاعر يصعب احتمالها.
لكن ينبغي ألا نتخيل أن الطفل الصغير يستخدم هذه الدفاعات بوعي أو يختارها كما يختار الإنسان ملابسه.
إنها عمليات نفسية قد تحدث دون إدراك مباشر.
وسوف نتوسع في آليات الدفاع في فصل مستقل لاحقًا، حين نصل إلى الفصل التاسع من الكتاب.
10
عاشرًا التكيف مع الواقع
يختتم هذا المسار من التفكير بالتأكيد على أهمية التكيف مع العالم الخارجي.
فالإنسان لا يستطيع أن يعيش وفق رغباته وحدها.
إنه يحتاج إلى أن يتعلم الانتظار، واحترام الحدود، والتعامل مع الآخرين، وتحمل الإحباط، والبحث عن وسائل مناسبة لإشباع حاجاته.
والطفل يتعلم ذلك تدريجيًا من خلال علاقته بمحيطه.
وهنا نصل إلى فكرة مهمة
النمو النفسي ليس مجرد زيادة في العمر، بل هو تطور في القدرة على فهم الذات والتعامل مع الواقع.
مثال تطبيقي: طفل يريد أمه طوال الوقت
لنتخيل طفلًا صغيرًا يبكي عندما تبتعد أمه عنه.
قد يفسر شخص سلوكه بأنه مدلل، وقد يصفه آخر بأنه عنيد.
لكن القراءة النفسية تحاول أن تفهم ما وراء السلوك.
هل يستطيع الطفل أن يتوقع عودة أمه
هل يشعر بالأمان في غيابها
هل اعتاد أن يجد استجابة لاحتياجاته
هل بلغ مرحلة عمرية تسمح له بتحمل الانفصال المؤقت
إن فهم هذه الأسئلة يساعدنا على التعامل مع الطفل بصورة أكثر هدوءًا ورحمة.
ولا يعني ذلك أن كل بكاء وراءه صراع لاواعي، أو أن كل سلوك يمكن تفسيره من خلال نظرية واحدة.
فالطفل إنسان ينمو جسديًا وعقليًا وانفعاليًا واجتماعيًا، وكل هذه الجوانب تتفاعل معًا.
ماذا نتعلم من هذا الفصل
يمكن تلخيص أهم أفكار الحلقة في النقاط التالية
1.الأنا ليست وظيفة مكتملة منذ الولادة، بل تتطور تدريجيًا.
2.العلاقة المبكرة مع مقدم الرعاية تسهم في تشكيل خبرات الطفل النفسية.
3.يبدأ الطفل تدريجيًا في التمييز بين ذاته والعالم الخارجي.
4.تتطور قدرته على الحركة والفعل والاستقلال مع نموه.
5.يتعلم تدريجيًا أن رغباته لا تتحقق دائمًا فورًا.
ينمو إدراكه للواقع من خلال الخبرة والتفاعل والتعلم.
6.لا ينبغي تفسير كل مشكلة في حياة الإنسان باعتبارها نتيجة حتمية لخبرة طفولية واحدة.
وقفة نقدية مهمة
علينا أن نتذكر أن فينيخل يكتب من داخل المدرسة التحليلية الكلاسيكية في منتصف القرن العشرين.
ولذلك فإن بعض مصطلحاته وافتراضاته تنتمي إلى تاريخ التحليل النفسي، ولا ينبغي التعامل معها جميعًا باعتبارها نتائج علمية حديثة محسومة.
وقد تطور علم نفس الطفل تطورًا كبيرًا منذ ذلك الوقت، وأصبحت لدينا دراسات ومناهج بحثية مستقلة لفهم التعلق والإدراك والانفعال والنمو الاجتماعي.
لكن قراءة فينيخل تظل مهمة لفهم كيف حاول التحليل النفسي تفسير نشأة الأنا، وكيف ربط بين الخبرات المبكرة والحياة النفسية اللاحقة.
الحلقة القادمة
في الحلقة السابعة ننتقل إلى الفصل الخامس:
تطور الغرائز والجنسية الطفولية.
وسنناقش معنى الغريزة في نظرية فرويد، وما المقصود بالمراحل الفمية والشرجية والقضيبية، وكيف فهم التحليل النفسي المبكر علاقة الطفل بجسده وبالآخرين.
وسنضع هذه الأفكار في سياقها التاريخي والعلمي، ونوضح ما الذي بقي منها مؤثرًا في تاريخ علم النفس، وما الذي أصبح محل نقد أو مراجعة.
ملاحظة توثيقية: اعتمدت في ترتيب موضوعات الحلقة على فهرس الكتاب، الذي يذكر موضوعات الفصل الرابع من صعوبة دراسة المراحل المبكرة حتى التكيف والإحساس بالواقع.
d-nb.info
المرجع: The Psychoanalytic Theory of Neurosis – Otto Fenichel
وبذلك نكون قد أكملنا الفصل الرابع في صورة شرح تعليمي متسلسل، لا نقل حرفي للنص الأصلي.




0 تعليقات