في محراب الغياب
بقلم د أماني الصاوي مصر 🇪🇬
حين كتب محيي الدين محمود حافظ قصته الومضية "القديسة"، لم يكتب عن موتٍ عابر، بل عن الطقوس الصامتة للفقد، وعن اللحظات التي تتحول فيها الدموع إلى لغة، والصمت إلى صرخة خافتة تتردد في تجاويف الذاكرة.
في بضع كلمات، تشي القصة بما تعجز عن قوله الروايات المطوّلة. يبدأ النص بحمل النعش — لا كحدث جنائزي فحسب، بل كفعل رمزي محمَّل بثقل الوجود: أن تحمل من كانت تحملك. إنها مفارقة الوداع التي لا تعترف بالزمن؛ الأم تُدفن، لكن قدسيتها تخرج من التراب لتستوطن قلب السارد، وتغدو عباءته الروحية التي يرتجف تحتها من برد الفقد.
وحين يقول: "فبكيت، فأمطرت", تنكسر الحواجز بين الداخل والخارج، بين القلب والسماء. هنا، لا تنهمر الدموع من عينيه فقط، بل يتورط الكون بأسره في طقوس الحزن، كأنما الحزن ـ حين يبلغ مداه ـ لا يعود ملكًا لصاحبه، بل يغدو نبوءة كونية، وترتيلة عزاء تتردد بين الغيوم.
إلا أن جوهر النص يتجلّى في الانحناءة الأخيرة للسارد، في لجوئه إلى من لم تعد هنا: "فاحتميت بها، لآخر مرة". كم هو مهيب هذا الالتجاء. إننا لا نرى جسدًا ممددًا في نعش، بل نلمح أمومة تتجاوز الموت، تحوّلت إلى رداء من دفء لا يمكن لموتٍ أن يمزقه. تلك "المرّة الأخيرة" ليست فقط لحظة وداع، بل هي فعل إقامة؛ إقامة في حضن الذاكرة، وارتواء أخير من نبع الحنان الأزلي.
العنوان نفسه، "القديسة"، ليس وصفًا بقدر ما هو إعلان تطويب. الأم، هنا، ليست فردًا من لحم ودم، بل أيقونة، مقام مقدس، مصلّى داخلي يركع فيه السارد بكليّته، حتى في حضور الموت.
أما الخاتمة، فهي انكشاف الذات في أضعف حالاتها وأكثرها صدقًا: "أقسمت أن أكثّف كلماتي لتصبح صرخة / علّها تصل لأمي / وتدوي في العالم / بكل لغاته / ولكن... أين أمي؟". هنا، تنهار اللغة أمام هيبة الغياب. فالكاتب، الذي طوّع الكلمات لتبوح، يدرك فجأة أن لا كلمة ـ مهما بلغت من جمال ـ تقدر على أن تعيد يدًا كانت تُربّت، أو حضنًا كان يضم. فتتحول الصرخة إلى نداء وجودي، يتخطى حدود الحكاية، ويتردد في كل روح فقدت ملاذها الأول.
"القديسة" ليست نصًا يُقرأ، بل يُقام له حداد داخلي. هي شذرة ضوء في ليل طويل، وندبة صغيرة فوق قلب الأدب، تذكرنا بأن القصة الأصدق لا تحتاج أكثر من نبضٍ واحد، إذا ما كُتب بالدمع.

_1.jpg)
.jpg)
0 تعليقات