بحث علمي بقلم الباحث خالد البنا 🇪🇬

 


بحث علمي




من الدعوة إلى التطهير: العنف المؤدلج في شمال سيناء بعد 2013


إعداد الباحث خالد البنا 


 1


لم يكن ما شهدته شمال سيناء بعد عام 2013 مجرد تصاعد في وتيرة العنف، بل انتقال نوعي في طبيعة العنف ذاته؛ من أعمال متفرقة إلى مشروع عنف مؤدلج يستهدف المجتمع قبل أن يستهدف الدولة.


فقد بدأت الجماعات المسلحة في التعامل مع سيناء بوصفها مجالًا مغلقًا له تعريف واحد للإيمان، وهوية واحدة للمواطنة، وكل من يخرج عن هذا التعريف يصبح هدفًا مشروعًا.


هذا النمط من العنf، كما يشرح جيل كيبل، لا يهدف إلى الانتصار العسكري بقدر ما يهدف إلى إعادة تشكيل المجال الاجتماعي بالقوة¹.


 2


في هذا السياق، برز استهداف المسيحيين باعتباره أحد أخطر تجليات هذا التحول.


لم يكن الkتل أو التهجير مرتبطًا بسلوك سياسي أو أمني، بل بالهوية الدينية وحدها.


وهنا يتحول العنf من صراع مع الدولة إلى عنf تطهيري، يسعى إلى تنقية المجال العام من أي وجود يُنظر إليه باعتباره غير منسجم مع المشروع الأيديولوجي للجماعة.


ويؤكد سكوت شتراوس أن هذا النوع من العنf يظهر غالبًا حين تفشل الحركات المسلحة في كسب الحاضنة المجتمعية، فتسعى إلى فرض الطاعة عبر الخوف بدل الإقناع².


 3


لم يكن Zبح المسيحيين في سيناء حدثًا معزولًا، بل جاء ضمن سلسلة من الرسائل الرمزية:


رسالة إلى الدولةنحن نملك السيطرة على الأرض.


رسالة إلى المجتمع نحن نملك تعريف الشرعية.


رسالة إلى الأقليات وجودكم مشروط أو منعدم


وهذا يضعنا أمام سؤال جوهري


هل  الدين هو المحرك، أم أنه غلاف أخلاقي لصراع سياسي مسلح


 4


تشير أعمال أوليفييه روا إلى أن الحركات التي ترفع شعارات دينية مطلقة غالبًا ما تكون قد انفصلت فعليًا عن الدين، وتحوّل النص لديها إلى شعار تعبوي لا مرجعية أخلاقية³.


فالدين، في صورته التقليدية، يقيّد العنF ولا يطلقه، بينما الأيديولوجيا تبرره وتحوّله إلى واجب.


ومن هنا يمكن فهم كيف تحوّل الجهاد من مفهوم دفاعي تاريخي إلى أداة قتل داخلي.


 5


إلى جانب استهداف المسيحيين، برز نمط آخر من العنF تمثل في Zبح المتعاونين مع الجيش والشرطة.


وهنا لا يُKتل الفرد بسبب ما فعله، بل بسبب ما يمثله.


إنه Kتل الوظيفة الاجتماعية، لا الشخص.


ويصف ماكس فيبر هذه الظاهرة بأنها محاولة مباشرة لكسر احتكار الدولة للعنF المشروع، وهو ما يُعد إعلانًا صريحًا عن نشوء سلطة موازية⁴.


 6


أما استهداف رجال القضاء، فقد حمل دلالة أخطر؛ إذ لم يعد الصراع مقتصرًا على الأمن، بل امتد إلى مفهوم العدالة ذاته.


فالقاضي، في الدولة الحديثة، ليس فردًا، بل تجسيدًا لفكرة القانون.


وضربه يعني نفي فكرة التحكيم المدني لصالح قضاء الجماعة


وتشير تقارير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن هذا النمط يظهر حين تسعى الجماعات المسلحة إلى إقامة نظام قيمي بديل⁵.


 7


في مGزرة مسجد الروضة، بلغ العنF ذروته الرمزية.


فالضحايا كانوا مسلمين، داخل مسجد، أثناء صلاة الجمعة.


وهنا انهار الادعاء بأن العنF موجّه للآخر أو للدولة


لقد أصبح المجتمع نفسه هو العدو.


ويصف ديفيد رابوبورت هذه المرحلة بأنها ذروة الموجة الدينيةمن الإرهاب، حين تنقلب العقيدة إلى أداة إبادة⁶.


 


8


إن ربط هذه الGرائم بالإسلام كدين هو خطأ تحليلي جسيم.


فالنص القرآني لم يضع نموذجًا سياسيًا ملزمًا، ولم يمنح جماعة حق التكفير أو القتل.


بل إن المرونة السياسية في الإسلام، كما تثبت التجربة التاريخية، سمحت بتعايشه مع الملكية والجمهورية والديمقراطية دون صدام جوهري.


ما حدث في سيناء لم يكن تطبيقًا للدين، بل مصادرة للدين لصالح مشروع سياسي مسلح.


9


وهنا تتضح العلاقة بين هذه الوقائع ومفهوم الإسلام السياسي.


فحين يعجز التيار السياسي عن تحقيق مشروعه عبر المجتمع، تلجأ بعض فصائله إلى العنف بوصفه لغة بديلة.


وتتحول الشعارات من الإصلاح إلى التطهير ومن الدعوة إلى السيف.


وهذا هو الانتقال الحاسم:


من النص… إلى البندقية.


10


إن العنف في شمال سيناء بعد 2013 لا يمكن فهمه إلا بوصفه نتيجة مباشرة لتسييس الدين ونزع إنسانيته.


فحين يُختزل الدين في مشروع سلطة، يصبح الإنسان وقودًا، والمجتمع ساحة حرب، والنص أداة قتل.


وهنا لا يدافع هذا الكتاب كتاب الإسلام السياسي من النص إلى البندقية تأليف خالد البنا عن دولة بعينها، ولا يهاجم تيارًا بذاته،


بل يضع الإصبع على الجرح


حين يتحول المقدس إلى أيديولوجيا، يفقد قداسته… ويفقد الإنسان حياته.


المراجع


Gilles Kepel, Jihad: The Trail of Political Islam, Harvard University Press.


Scott Straus, Making and Unmaking Nations, Cornell University Press.


Olivier Roy, The Failure of Political Islam, Harvard University Press.


Max Weber, Politics as a Vocation, Oxford University Press.


International Crisis Group, Egypt’s Sinai Question.


David Rapoport, The Four Waves of Modern Terrorism, Georgetown University Press.








إرسال تعليق

0 تعليقات