صباح بلا ياسمين
قصة قصيرة
بقلم الكاتب الصحفي ياسر زينهم
الساعة السابعة صباحاً
هذا هو الموعد المقدس الذي لم يكن يحتاج إلى منبه
فقبل أن يرن هاتفي كانت هي ترن في قلبي
رسالة واحدة كانت كفيلة أن تجعل للنهار طعماً وللرزق بركة وللقلب وطناً
صباح الفل والياسمين والرزق الكتير يا قلبي
أفتح عيني فأجد الدنيا بخير
ثم السؤال الذي لا يتغير كيف حالك وحال صحتك؟
فطرت ولا لسه؟
لم تكن تسأل لتطمئن فقط كانت تسأل لتمنحني الإذن أن أعيش يومي
فإذا قلت فطرت يا أمي شعرت أن جسدي امتلأ قوة حتى لو كانت لقمة واحدة
ثم يأتي الدعاء
سيلٌ لا ينقطع من الرحمة
حبيبي ربنا يبارك فيك ويحفظك ويراضيك ويسعدك ويديك الصحة والعافية
أنت جوه قلبي وعيني يا ابني
ربنا يرضى عليك ويبارك فيك ويجعل القليل في إيدك كتير يا رب العالمين ويجعل دعواتي من حدك ونصيبك
اللهم آمين
ربنا معاك وينصرك ويحبب فيك الرب والعبد والحصى اللي ماشي على الأرض اللهم آمين
كنت أقرأ فأشعر أن ملائكة السماء نزلت وقفت على باب رزقي
كيف لا وهي تدعو لي أن يحبني الرب والعبد والحصى؟
أي أفق من الحب هذا الذي كانت تراني فيه؟
لم تكن أمي فقط
كانت درعي وسندي وصندوق أسراري كانت هي التي ترد عني أي كلمة لا تعجبها من أي مخلوق
كانت تقف في وجه الدنيا وتقول بكل كبرياء أم انت أنا
كانت هيبتي
لا أحد يجرؤ أن يحدثني بكلمة أو بطريقة لا تليق وهي على قيد الحياة
يكفي أن ينطق اسمي أمامها حتى تتحول إلى جيش كامل يدافع عني
كانت تظن أن فلاناً هو من سيكون في ظهري من بعدها
كانت مطمئنة له وتوصيني به
ثم جاء الصباح الذي لم تأتِ فيه الرسالة
فتحت عيني كالعادة السابعة صباحاً مددت يدي للهاتف وأنا أبتسم
لكن الشاشة كانت صامتة
باردة
قاسية
انتظرت دقيقة
عشرة
ساعة
قلت ربما نائمة
وكيف تنام وهي التي كانت تستيقظ قبلي لتوقظ لي الدنيا؟
مر اليوم الأول وأنا أحدث نفسي
سترسل بعد قليل
مر الثاني وأنا أفتح المحادثة القديمة وأقرأ صباح الفل والياسمين
وأبكي
في الثالث أدركت الحقيقة التي يرفضها القلب الصباح من غيرها ظلام
أصبحت لا أشتهي الطعام لأن فطرت ولا لسه؟
لم يسألها أحد
أصبحت لا أريد الحديث مع أحد لأن سرّي الذي كان بيني وبينها أصبح يتيماً
أصبح البيت ساكتاً والحيطان تردد صدى دعائها الأخير لي
وبعد انصرافها
تغير كل شيء
الحدود التي لم يكن أحد يجرؤ أن يقترب منها صارت تُخطى بكلمة ثم بعشرة
ومن كانت لا تتوجع منه قط بل كانت تظن أنه سيكون ستري وظهري من بعدها هو أول من حمل السيف لمحاربتي
لم يحاربني وحده بل جاء بأعدائي خلفه
خالف كل ظنونها وكسر كل قواعدها وخان الأمان الذي زرعته فيه
سقط القناع الذي كانت تظنه وجهاً واكتشفتُ بعد رحيلها أنني كنت أحارب وحدي وأن درعي الحقيقي وارته التراب
قالوا لي البقاء لله
قلت لهم كيف البقاء
وأنا كنت عايش من دعاها ومن رضاها؟
كانت صلاتي كانت دعائي كانت وطن قلبي
والآن
أنا تايه بلاها
لكنني في كل سجدة أقول يا رب اجعل دعواتها من حدي ونصيبي
فقد كانت تعرف أنني سأحتاجها بعد رحيلها أكثر من حياتها
لذلك تركت لي إرثاً من الدعاء لا ينفد
فكلما ضاقت بي الدنيا وكلما طعنت من قريب أغلقت عيني وهمست
ربنا معاك وينصرك
بصوتها
فأقوم
لأنها ربتني على الوفا والوفا أن أظل ابنها حتى لو حمل العالم كله سيفه عليّ
يا ليل طوّل
لكنني موقن أن فجر اللقاء بها آتٍ
على باب الجنة ستكون هناك وفي يدها ياسمين
وستقول لي صباح الفل يا قلبي
فطرت؟
وسأقول لها اطمئني يا أمي.




0 تعليقات