ايمان عوض و قراءة تحليلية لمقال العالم في غليان للدكتور أحمد إبراهيم حنفي
بقلم إيمان عوض
يعد مقال البروفيسور أحمد إبراهيم قراءة سياسية للمشهد الدولي ، إذ بطرح المقال أطروحة مفادها أن العالم لم يعد في مرحلة توقع حرب باردة جديدة، بل نحن نعيش بالفعل في قلب نسخة أكثر تعقيداً وخطورة
و يستدل على ذلك بتبيان ان الحرب الباردة الجديدة تختلف عن سابقتها في أنها ليست مجرد صراع أيديولوجيا سياسيه كما كان في السابق بوجود دول رأسمالية تمثلها الولايات المتحدة الأمريكية مقابل دول اشتراكية يقودها روسيا ، فقد اصبح الصراع قائم على الهيمنة التكنولوجية والاقتصادية في ظل عالم مترابط ماليا ، مما يجعل خطر الانهيار الاقتصادي العالمي أكبر بكثير مما كان عليه في القرن العشرين
و قد نجح الكاتب في رسم خريطه سياسيه للاسترشاد ،واضعا لها مفاتيح و هي تلك المصطلحات التي استعان بها لتلخيص وجهة النظر و بلورتها و سأقوم بتفنيد المقال في نقاط بادئه بعرض شارح للمصطلحات التي استخدمها للتسهيل على القارىء في استيعاب و تفكيك المقال..
اولا.. استخدم الكاتب مصطلحات سياسيه قويه تمتاز بالمعنى الشمولي الإيجاز و التحليل المباشر الأكاديمي كمفاتيح لفهم الصراع وتحليله فقد أشار إلى
1- السيولة الاستراتيجية .. و يقصد بها حالة من عدم الاستقرار في العلاقات الدولية، بسبب التحالفات المتداخلة مما يجعل التنبؤ بمسار الأحداث أمراً بالغ الصعوبة
2- ثم استخدم مصطلح فخ ثوسيديدس..و قد اثاره و قام بشرحه في مقال سابق ، و يقصد به نظرية تاريخية تشير إلى حتمية الصدام بين قوة عظمى قائمة وقوة صاعدة تهدد هيمنتها، حيث يؤدي رعب القوة القائمة إلى اتخاذ قرارات قد تؤدي لحرب دروس
3- مصطلح حروب بالوكالة..ويقصد بها صراعات إقليمية تدعم فيها القوى العظمى أطرافاً محلية بالمال والسلاح لاستنزاف خصمها دون الدخول في مواجهة مباشرة قد تقود لحرب نوويه
4-أوراسيا... و ذلك المصطلح نادر الاستخدام
و يحمل دلالتين رئيسيتين واحدة جغرافية بسيطة، والأخرى سياسية عميقة،اذ يقصد بالمفهوم الجغرافي رقعة الأرض و الكتله العملاقة التي تدمج بين قارتي أوروبا وآسيا وتمتد مساحتهاالتي تصل إلى حوالي 54 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل 37% من مساحة اليابسة في العالم و تعتبر أوروبا من الناحية الجغرافية امتداداً طبيعياً لآسيا من جهة الغرب
إذ تعد تلك الرقعه في ذاتها مركز الثقل العالمي في الموارد والنفوذ، لذا فهي المسرح الرئيسي للتنافس الدولي نظراً لاحتوائها على أكثر من 70% من سكان العالم، ومعظم الموارد الطبيعية، ونسبة ضخمة من النشاط الاقتصادي العالمي، لذا أصبحت المنطقة مطمع للقوى الكبرى حتى يقال أن من يمتلك أوراسيا، يمتلك مفاتيح الهيمنة على العالم
و قد استخدم الكاتب هذا المصطلح قاصدا به المحرم الأساسي للصراع الحالي بين المحور الغربي بقيادة أمريكا والتحالف الصاعد بقيادة الصين وروسيا لإعادة صياغة النظام العالمي
5-أشباه الموصلات .. هذا المصطلح الذي يقصد الرقائق الدقيقة التي تعد العصب المحرك للأسلحة الذكية والذكاء الاصطناعي، ومن يتحكم فيها يمتلك مفاتيح القوة العالمية
6-إلغاء الدولرة ... و هي سياسه تتبنتها الدول الصاعدة لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، وذلك لحماية سيادتها الاقتصادية من سلاح العقوبات المالية الغربية.
7-سلاسل الإمداد..و هي الشبكة العالمية المعقدة لإنتاج وتوزيع السلع وخاصة أشباه الموصلات وهي أداة ضغط استراتيجي لتقييد الخصوم اقتصاديا
8-قواعد الاشتباك ..و هي الضوابط والخطوط الحمراء الضمنية التي تتوافق عليها القوى المتصارعة لمنع خروج التنافس عن السيطرة وتحوله إلى حرب شاملة أو نوويه مدمره
9-الأمن الشامل.. توسيع مفهوم الأمن ليشمل أمن الطاقة، البيانات، والتكنولوجيا، بدلاً من الاقتصار على حماية الحدود العسكرية
10-النظام متعدد الأقطاب.. وهو حالة عالمية تتقاسم فيها عدة مراكز قوى امريكا و الصين و روسيا النفوذ الدولي، مما يقلل من استقرار النظام العالمي مقارنة بعهد القطب الواحد كما في السابق
ثانياً.. الإشارة إلى أن العالم في غليان..
حيث يشير الكاتب إلى أن الساحة الدولية اليوم تشهد حالة من تداخل المصالح الغير واضحة المعالم، حيث تعيد التطورات المتسارعة تشكيل النظام العالمي بقواعد جديده خروجا عن الحرب الباردة بمفهومها التقليدي،فلم يعد العالم في مرحلة التوقع ، بل نحن نعيش بالفعل في نسخة أكثر تعقيداً وخطورة من الصراع على السيادة التكنولوجية والاقتصادية
ثالثا ...جوهر الصراع يكمن في أوراسيا رقعة الشطرنج الكبرى..
يشير الكاتب إلى أن هذا الصراع يتمحور حول منطقة أوراسيا، التي باتت المسرح الرئيسي للهيمنة العالمية باعتبارها المركز الاستراتيجي فالغرب بقيادة الناتو يحاول تطويقها وتأمين نفوذها، بينما تعمل الصين و روسيا على بناء تحالف أوراسي لتقييد الهيمنة الاحاديه، لان من يمتلك مفاتيح هذا الرقعه سيفوز بالهيمنه على النظام الدولي القادم
رابعا..أدوات المواجهة في عصر الأمن الشامل..
يرى الكاتب أن الصراع الدائر قائم على مفاهيم جديده للقوة بدءاً من التنافس على أشباه الموصلات التي تعد عصب السلاح الذكي، وصولاً إلى إلغاء الدولرة التي تسعى بها القوى الصاعدة لانتزاع الاستقلال السيادي في مواجهة العقوبات المالية الغربية، إلى سوق متعدده
خامسا...مخاطر الحسابات الخاطئة و الصدام المرتقب ..
يرى الكاتب أن الصراع الدائر الآن هو فخ ثوسيديدس الذي قد يشعل حربا مدمرة ،اذ أصبحت الأزمات الإقليمية في شرق أوروبا والشرق الأوسط مجرد حروب بالوكالة يستنزف فيها الكبار بعضهم البعض عن طريق دول اصغر تابعه ويختبرون قوة الردع دون مواجهة مباشرة
ليستخلص لنا النتائج بإن العالم اليوم يترقب
لا انفجار بات وشيكا وكل طرف يحاول النجاة بنفسه، وأن أي فعل غير محسوب سيؤدي لانفجار مدمر ،لذا أصبح لزاما على المجتمع الدولي ايجاد ميثاقا جديدا يضع قواعد تجمح جماح التنافس القائم على الهيمنه التكنولوجيه و الاقتصاديه



0 تعليقات