د كامل عبد القوى النحاس يكتب

 

التوارث بالمؤخاة  تغير الحكم وبقى المقصد 




بقلم د كامل عبد القوى النحاس 


من الأخطاء المنهجية التي يقع فيها كثير من المنتقدين للشريعة أنهم ينظرون إلى الأحكام الإسلامية وكأنها نزلت دفعة واحدة في مجتمع مستقر، 


ثم يتساءلون:

 لماذا تغير هذا الحكم أو ذاك؟ 


ولو أنهم نظروا إلى القرآن الكريم وهو يصاحب أحداث السيرة، ويواكب نشأة الدولة الإسلامية، لأدركوا أن التشريع لم يكن مجرد أوامر ونواهٍ، بل كان مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان، وصناعة المجتمع، وإقامة الدولة.


فلم ينزل الإسلام على أمة مستقرة، وإنما نزل على مجتمع ينتقل من الاضطهاد إلى التمكين، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن القبلية الضيقة إلى الأخوة الإنسانية الرحبة، ولذلك جاءت بعض الأحكام لمعالجة ظروف استثنائية، حتى إذا أدت رسالتها، وانتقل المجتمع إلى مرحلة جديدة، استقرت الأحكام على صورتها النهائية.


ومن هنا كان النسخ صورة من صور الحكمة، لا دليلًا على التناقض، ودليلًا على أن التشريع الإلهي كان يبني المجتمع مرحلة بعد مرحلة، حتى يرسخ البناء، وتثبت أركانه.


ومن أبلغ الشواهد على ذلك ما وقع بعد الهجرة النبوية من تشريع المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.


لقد خرج المهاجرون من مكة تاركين أموالهم، وديارهم، وتجارتهم، وأهليهم، ولم يحمل أكثرهم إلا عقيدته وثباته على الحق. 

وكان من الممكن أن يتحول هؤلاء الغرباء إلى عبء اقتصادي واجتماعي على المدينة الناشئة، لولا أن الإسلام سبق إلى علاج المشكلة قبل أن تستفحل.


فآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، ولم تكن تلك المؤاخاة إعلانًا رمزيًا أو شعارًا عاطفيًا، بل كانت نظامًا اجتماعيًا متكاملًا، يقتسم فيه الأخوان السكن، والعمل، والنفقة، والنصرة، والمواساة، حتى يشعر كل مهاجر أن ما فقده من أهل ومال قد عوضه الله عنه بإخوة صدقوا ما عاهدوا الله عليه.


لقد أراد الإسلام أن ينقل الناس من مجتمع يقوم على رابطة الدم وحدها، إلى مجتمع تكون فيه رابطة الإيمان هي الأساس الذي تنتظم حوله سائر الروابط.


 ولهذا لم تكن الأخوة في الإسلام مجرد فضيلة خلقية، بل أصبحت مسؤولية عملية، تترجم إلى تعاون، وتكافل، وإيثار، ومشاركة في تحمل أعباء الحياة.


وفي ظل تلك الظروف الاستثنائية، شُرع التوارث بين المتآخيين من المهاجرين والأنصار، ليكون علاجًا مؤقتًا لواقع استثنائي، يعوض المهاجر عما فقده، ويؤكد أن الأمة الإسلامية أصبحت أسرة واحدة، لا يترك فيها الضعيف وحده، ولا يضيع فيها الغريب بين الناس.


لكن هذا الحكم لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما كان وسيلة لتحقيق مقصد أكبر، هو تثبيت المجتمع الجديد، وتقوية أواصره في مرحلة التأسيس.


فلما استقرت الدولة الإسلامية، وعادت الحياة إلى طبيعتها، ونزلت أحكام المواريث مفصلة، أعاد القرآن الكريم الميراث إلى نظامه الدائم، 


فقال سبحانه:

﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75].


وهنا يظهر النسخ في أبهى صوره؛ فلم يُلغ قيمة الأخوة، وإنما أنهى وسيلة مرحلية كانت تحققها في ظرف مخصوص.


فالأخوة التي قامت عليها الدولة الإسلامية لم تنسخ، بل بقيت أصلًا محكمًا من أصول هذا الدين، 


يقول الله تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].


وبقيت معها جميع آثارها من النصرة، والإيثار، والتكافل، والرحمة، وإغاثة المحتاج، والوقوف إلى جانب الضعيف، وإنما الذي انتهى هو نظام التوارث؛ لأنه أدى رسالته التاريخية، ثم جاء الوقت الذي يستقر فيه نظام الأسرة والميراث على قواعده الدائمة.


وهنا تتجلى دقة التشريع الإسلامي؛ فالنسخ لم يمس المقصد، وإنما مس الوسيلة. أما القيمة التي شرع الحكم من أجلها فقد بقيت ثابتة، بل ازدادت رسوخًا بعد أن استقر المجتمع الإسلامي، وأصبح قادرًا على أداء واجبات الأخوة دون الحاجة إلى الأحكام الاستثنائية التي اقتضتها مرحلة التأسيس.


ومن هنا نفهم أن الشريعة لا تتعلق بالأشكال تعلقها بالمقاصد، فإذا انتهت الحاجة إلى وسيلة معينة، انتقلت إلى وسيلة أخرى تحقق المقصد نفسه بكفاءة أكبر، مع بقاء المبادئ والقيم ثابتة لا تتبدل.


ولذلك لم يغلق الإسلام باب التكافل بانتهاء التوارث بالمؤاخاة، بل فتح أبوابًا أوسع وأبقى، كالزكاة، والصدقات، والأوقاف، والوصايا المشروعة، والكفارات، وسائر صور البر والإحسان، حتى تظل الأخوة حقيقةً حيةً في المجتمع، لا مجرد كلمة ترددها الألسنة.


وفي هذا توجيه بليغ للاجتهاد الإسلامي؛ فالأحكام القطعية إذا استقرت لم يعد لأحد أن يغيرها، لكن تبقى ميادين الاجتهاد واسعة في ابتكار الوسائل والأنظمة التي تحقق مقاصد الشريعة، وتقوي روح الأخوة، وتحفظ كرامة المحتاج، وتنظم التكافل الاجتماعي بما يلائم حاجات كل عصر، دون مساس بثوابت الدين أو أحكامه المحكمة.


وهكذا يكشف هذا المثال أن النسخ لم يكن انتقالًا من صواب إلى صواب، ولا من حق إلى حق، وإنما كان انتقالًا من حكم اقتضته مرحلة البناء الأولى، إلى حكم دائم يناسب مجتمعًا اكتمل بنيانه.


فإذا اتسعت الرؤية، أدركنا أن الذي تغير لم يكن قيمة الأخوة، وإنما الوسيلة التي عبرت عنها في مرحلة من مراحل التشريع، وبقيت الأخوة الإسلامية بعد ذلك ركيزة المجتمع، وسر قوته، وأحد أعظم المبادئ التي جاء بها الإسلام، وبهذا يظهر النسخ شاهدًا على حكمة الشريعة، لا مطعنًا فيها، ودليلًا على كمالها، لا على نقصها.






إرسال تعليق

0 تعليقات