شاعر البسطاء سعيد سعيد امام ديوان المدينة المفقودة

 

 ديوان المدينة المفقودة




الكاتب الصحفي وشاعر البسطاء سعيد سعيد امام 


قطار الذين لم يعودوا


حكاية القطار الغامض الذي يمر مرة واحدة كل عام في مدينة المفقودات

 ويحمل على متنه كل الوجوه التي غابت عن أعيننا

 لكنها لم تغب عن قلوبنا


القصيدة السابعة عشرة

قطار الذين لم يعودوا


في ليلة من ليالي الشتاء

حين كانت المدينة غارقة في الضباب

وحين نامت الشوارع

وأغلقت الذكريات شبابيكها

سمعت صفيرًا بعيدًا

قادمًا من جهة لا تظهر على الخرائط

كان صوتًا حزينًا

لكنه دافئ

كأنه يحمل ألف حكاية

وألف سلام

سألت أحد سكان المدينة

ما هذا الصوت

فنظر إليّ طويلًا

وقال

استعد لقد جاء

قطار الذين لم يعودوا

ومن بعيد

ظهر القطار

أسود اللون

تلمع نوافذه كأنها نجوم معلقة

لا يسير على قضبان

بل فوق طريق من الذكرى والحنين

وكان يتحرك ببطء

كأنه يخشى إيقاظ القلوب النائمة

توقف القطار في المحطة القديمة

التي لم يدخلها قطار منذ سنين

وفُتحت أبوابه في هدوء

فخرج منه نور خافت

ورائحة أيام بعيدة

رائحة بيت قديم

وصوت ضحكات من زمن جميل

ورائحة خبز كانت تصنعه أم رحلت

وشعور بالأمان

ظننا أننا فقدناه للأبد

اقتربت أكثر

فرأيت الوجوه

وجوه أعرفها

ووجوه يعرفها غيري

رأيت أبًا

ما زال يحمل نفس الابتسامة

ورأيت أمًا

ما زالت عيناها مليئتين بالدعاء

ورأيت أصدقاء

غابت أسماؤهم عن المجالس

لكن لم تغب عن القلوب

كانوا جميعًا هناك

لا يتكلمون

فقط يبتسمون

كأنهم يقولون

نحن بخير

فلا تحملوا كل هذا الحزن

ورأيت رجلًا عجوزًا

يقف على الرصيف ويبكي

وحين نظر داخل القطار

ابتسم فجأة

كأن سنوات من الوجع

ذابت في لحظة واحدة

ورأيت امرأة

تضم صورة إلى صدرها

فلما لمحَت وجهًا خلف النافذة

رفعت يدها مرتعشة

ورد الوجه التحية بابتسامة

كانت أغلى من ألف كلمة

سألت حارس المحطة

هل يعودون معنا

هز رأسه بحزن وقال. لا

هذا القطار لا يعيد أحدًا

إنه فقط يطمئن القلوب

على من تحب

ثم يعود من حيث أتى

وبينما كنت أنظر إلى النوافذ

لمحت وجوهًا كثيرة

وجوهًا رحلت من الدنيا

لكنها بقيت حية

في الدعوات

وفي الذكريات

وفي الحكايات التي نرويها عنهم

وفجأة

وفجأة أطلق القطار صفيره مرة أخرى

فعرفت أن موعد الرحيل قد حان

بدأت الأبواب تُغلق

وبدأت الوجوه تبتعد ببطء

لكن الغريب

أن الحزن هذه المرة

لم يكن مثل السابق

كان فيه سلام

وفيه رضا

وفيه يقين

بأن الغياب

ليس دائمًا نهاية الحكاية

تحرك القطار

واختفى وسط الضباب

كما جاء

وبقيت المحطة صامتة

إلا من أثر النور

الذي تركه خلفه

وفي مدينة المفقودات

تظل هذه المحطة

من أكثر الأماكن قداسة

لأنها تذكر الناس

أن بعض الأحباب

قد يرحلون عن العيون

لكنهم لا يرحلون أبدًا

عن القلوب

ولا عن الدعوات الصادقة

ولا عن الذكريات الجميلة

التي تضيء العمر

كلما أظلم الطريق

كلمات وتأليف شاعر البسطاء سعيد سعيد امام





إرسال تعليق

0 تعليقات