ثقافة الـ50% عندما تحولت الشهادة من ورقة إلى طبقة اجتماعية

 

ثقافة الـ50% عندما تحولت الشهادة من ورقة إلى طبقة اجتماعية




بقلم خالد البنا 


ثقافة الـ50%..كيف صنعت مصر كليات القمة وكليات القاع...هناك أرقام لا تموت.


قد يتغير نظام التعليم، وتتغير المناهج، وتتغير الامتحانات، بل وقد يتغير شكل الدولة نفسها، لكن بعض الأرقام تظل عالقة في الذاكرة الشعبية، تتحول من مجرد رقم إلى حكاية اجتماعية.


ومن أشهر هذه الأرقام في الذاكرة المصريةالـ50%


المصري في هذا العصر في حديثه الشعبي، يربط الـ50% بصورة الطالب الذي لم يكن متفوقًا في الثانوية العامة، لكنه يستطيع أن يلتحق بالكلية الحربية أو الشرطة، ثم يتخرج ضابطًا...ومع الزمن ولدت العبارة الساخرة


أبو 50%


ثم خرجت العبارة من المدرسة إلى الشارع، ومن الشارع إلى المدرجات، وأصبحت في بعض مشاجرات كرة القدم شتيمة توجه إلى رجال الشرطة...يا أبو 50%وهنا ينبغي أن نتوقف.


فالمشكلة ليست في الرقم نفسه، ولا في الضابط الذي حصل عليه يومًا ما، ولا في أن طالبًا كان مجموعه أقل من زميله.


المشكلة في الفكرة الاجتماعية التي ولدت حول الرقم.


كيف استطاع مجتمع كامل أن يحول نتيجة امتحان إلى حكم على الإنسان


من 50% إلى كليات القمة


كان من المفترض أن تكون الثانوية العامة مجرد مرحلة من مراحل التعليم.


لكنها في مصر أصبحت، شيئًا فشيئًا، محكمة اجتماعية.


الطالب يحصل على 95%، فيقال..ده متفوق


والذي يحصل على 70%:.....كويس.


والذي يحصل على 55%:..مقبول


أما صاحب الـ50% فيصبح في المخيال الشعبي طالبًا ضعيفًا


ثم جاءت المرحلة الأخطر.ظلم يعد المجتمع يسأل...ماذا يستطيع هذا الإنسان أن يفعل


بل صار يسأل مجموعه كام ودخل كلية إيه


وهكذا ظهرت العبارة الشهيرة


كليات القمة.


وفي المقابل ظهرت، ولو بصورة غير رسمية، عبارة أكثر قسوة


كليات القاع.


وهنا لم يعد الترتيب ترتيبًا أكاديميًا فقط.


لقد تحول إلى ترتيب للبشر.


هل كلية القمة تصنع إنسان القمة


السؤال الذي يجب أن نطرحه:


هل طالب الطب أفضل إنسانيًا من طالب الآداب


هل المهندس أكثر ذكاءً من المدرس


هل خريج الحقوق أرقى من خريج التربية


هل من دخل كلية بمجموع 95% سيصبح بالضرورة إنسانًا ناجحًا


وهل من دخل كلية بمجموع 60% محكوم عليه بالفشل


التجربة الإنسانية تقول شيئًا آخر.


فالمجتمع لا يعيش بالمهندس والطبيب وحدهما.


إنه يحتاج إلى المدرس، والمحاسب، والمحامي، والممرض، والفني، والعامل، والمبرمج، والكاتب، والمترجم، والباحث، والحرفي.


بل إن بعض المهن التي احتقرها المجتمع ذات يوم أصبحت اليوم من أكثر المهن دخلًا وتأثيرًا.


إذن المشكلة لم تكن في الكليات.


المشكلة كانت في نظرتنا إليها....ومن هنا دخل الزواج ولعل أخطر ما فعلته ثقافة «كليات القمة» أنها لم تتوقف عند التعليم.


لقد دخلت إلى الزواج.


ففي بعض البيئات، عندما تتقدم فتاة للزواج، لا يكون السؤال الأول


هل هذا الرجل أمين...هل يحترمها...هل يتحمل المسؤولية...هل يستطيع أن يكون أبًا صالحًا


هل يعرف معنى المودة....بل قد يأتي السؤال


مؤهله إيه...ثم..بيشتغل إيه....ثم خريج إيه


وتصبح الكلية جزءًا من تقييم العريس.


وقد يصل الأمر إلى أن تكون الكليات العسكرية والشرطة في مقدمة «الهيبة الاجتماعية» عند بعض الناس.


وهنا تظهر المفارقة.


فقد يكون الرجل قد حصل في الثانوية العامة قديمًا على مجموع متواضع، ثم التحق بمؤسسة عسكرية أو شرطية، ونجح في اختبارات أخرى، وتخرج، وتحمل مسؤولية، وبنى بيتًا، وأصبح رجلًا له مكانته.


فهل يبقى مجموع الثانوية العامة يطارده طوال حياته...هل نظل نقول له.ظ.أنت كنت 50%.


حتى بعد أن أصبح مسؤولًا عن أسرة، وربما عن مؤسسة


لكن من أين جاءت الأسطورة


هنا يجب أن نفرق بين التاريخ وبين الذاكرة الشعبية.


ليس صحيحًا أن القبول في الكليات العسكرية والشرطة كان دائمًا وبصورة ثابتة عند 50%.


شروط القبول تغيرت عبر العقود، وتختلف بين الكليات وبين السنوات.


فمثلًا، الإعلان الرسمي للقوات المسلحة لعام 2026 يحدد حدًا أدنى للكلية الحربية قدره 65% للعلمي و70% للأدبي، والجوية 60% للعلمي و65% للأدبي، والدفاع الجوي 70%، والفنية العسكرية 75%، بينما كلية الطب بالقوات المسلحة 90%.


وفي كلية الشرطة، كان الحد الأدنى المعلن 65% في 2024، واستمر 65% في 2025 و2026.


إذن عبارة «أبو 50%» ليست جدول تنسيق رسميًا ثابتًا عبر التاريخ.


إنها شيء آخر.


إنها ذاكرة شعبية اختزلت مرحلة تاريخية كاملة في رقم.


فالناس لا تحفظ القرارات الوزارية.


الناس تحفظ الحكايات.


وعندما ارتفعت المجاميع... تغيرت الحكاية


ثم جاءت سنوات أصبح فيها مجموع الثانوية العامة مرتفعًا بصورة غير مسبوقة، وأصبحت أرقام مثل 90% و95% و98% و99% مألوفة.


فماذا حدث؟


ارتفع سقف المجتمع.


لم يعد الـ80% رقمًا مذهلًا كما كان.


وأصبح الطالب الذي يحصل على 90% يسأل:


أدخل إيه...ثم يأتي الأب...هل يدخل طب


ثم الأم...طب بشري ولا أسنان


ثم العائلة


هو مجموعُه يسمح بكلية قمة


وكأن مستقبل الإنسان أصبح جدول تنسيق.


ثم جاءت أنظمة امتحانات جديدة، ومنها نظام «البابل شيت»، وتغيرت طبيعة توزيع الدرجات والمجاميع، فعاد المجتمع إلى اكتشاف الحقيقة القديمةأن الرقم لا يعيش وحده.


فالـ65% في سنة ليست بالضرورة مساوية للـ65% في سنة أخرى.


والـ90% في نظام امتحاني قد لا تعني المستوى نفسه في نظام آخر.


ولهذا فإن مقارنة المجاميع عبر العقود من دون النظر إلى نظام الامتحان والتصحيح وتوزيع الدرجات هي مقارنة ناقصة.


لماذا اخترع المصري «كليات القمة»؟


لأن المجتمع كان يبحث عن مقياس بسيط للنجاح.


وكان من الصعب أن نقيس ذكاء الإنسان وشخصيته وإبداعه وقدرته على العمل.


لكن من السهل أن نقول


ده جاب 98%...انتهى الأمر!


رقم صغير يحل محل إنسان كامل.


وهكذا أصبح الرقم بطاقة تعريف.


98% يساوي متفوق...80% يساوي جيد.


60% يساوي متوسط.


وكأن الإنسان آلة يمكن اختبارها ثم وضع ملصق على جبهتها.


وهذه هي خطورة ثقافة «القمة والقاع».


فهي لا ترتب الكليات فقط.


بل قد ترتب الناس أنفسهم.


المفارقة الكبرى


المفارقة أن بعض أصحاب الدرجات المرتفعة جدًا قد لا ينجحون في الحياة.


وبعض أصحاب الدرجات المتواضعة يصبحون من أكثر الناس نجاحًا.


لأن الحياة لا تعطي امتحانها على ورقة «بابل شيت».


الحياة تسأل أسئلة أخرى


هل تستطيع أن تتحمل.....هل تستطيع أن تتعلم من فشلك..هل تستطيع أن تعمل..هل تستطيع أن تحترم الناس...هل تستطيع أن تقود


هل تستطيع أن تحب.....هل تستطيع أن تكون أمينًا عندما لا يراك أحد


هذه أسئلة لا يوجد لها اختيار:


أ، ب، ج، د.


فإذا كان الرجل قد أصبح ضابطًا بعد اجتياز اختبارات القبول واللياقة والكشف الطبي والنفسي والاختبارات الخاصة بالمؤسسة، فإن اختزال شخصيته كلها في مجموع الثانوية العامة هو ظلم منطقي.


وفي المقابل، لا ينبغي أن ننتقل إلى الطرف الآخر فنقول إن مجموع الثانوية العامة لا قيمة له.


بل له قيمة.


لكنه ليس قيمة الإنسان كلها.


وهذا هو الفرق.


أخطر سؤال


ربما نحتاج أن نعيد السؤال من البداية:


لماذا نريد أن نعرف مجموع الإنسان قبل أن نعرف الإنسان نفسه


لماذا نريد أن نعرف كليته قبل أن نعرف أخلاقه؟


ولماذا أصبح «خريج كلية كذا» مدخلًا للحكم على قيمة الإنسان؟


لقد صنعنا لأنفسنا مجتمعًا من اللافتات:


طبيب....مهندس....ضابط....محامٍ....مدرس.


خريج كلية قمة...خريج كلية عادية.


ثم نسينا أن الإنسان قد يكون أعظم من اللافتة التي يحملها.


من «كليات القمة» إلى «قمم الإنسان»


ربما آن الأوان أن نغير المصطلح.


لا توجد كلية قمة وكلية قاع.


هناك طالب مناسب لكلية، وكلية مناسبة لطالب.


وقد تكون قمة الإنسان في مكان لم يتوقعه أحد.


قد يكون شابًا لم يحصل على مجموع كبير، لكنه يصبح فنيًا بارعًا.


وقد تكون فتاة لم تدخل كلية من كليات القمة، لكنها تصبح مدرسة تغيّر حياة مئات الأطفال.


وقد يكون إنسان حاصلًا على أعلى الشهادات، لكنه يفشل في أن يكون إنسانًا صالحًا.


وهنا نكتشف الحقيقة التي نسيناها وسط زحام الأرقام:


الشهادة تثبت ماذا درست، لكنها لا تثبت من أنت.والمجموع يخبرنا عن أدائك في امتحان.


لكنه لا يخبرنا عن أدائك في الحياة.


أما «كليات القمة» التي صنعناها في عقولنا، فقد آن لها أن تتحول من سُلَّم نصعد به على الناس إلى مجرد طريق من طرق التعلم.


فالإنسان لا يصبح كبيرًا لأنه دخل كلية كبيرة.


الإنسان يصبح كبيرًا عندما يكبر ما بداخله.


وربما لهذا كله، فإن السؤال الأجمل من:


جبت كام..ظهو وبعد ما جبت مجموعك... عملت إيه في نفسك وفي بلدك وفي الناس





إرسال تعليق

0 تعليقات