حين تقف للصلاة… أين يكون قلبك
بقلم خالد البنا
دخل المسجد، توضأ، وفرش سجادته، ثم رفع يديه وقال:
الله أكبر.
ولكن عقله لم يقل الله أكبر
عقله كان يقول...ماذا سأفعل غدًا
كيف سأحل هذه المشكلة
ماذا قال فلان وماذا لو حدث كذا..وماذا لو لم يحدث كذا..قرأ الفاتحة، ثم انتهى منها، ولم يعرف ماذا قرأ.ركع، وقام، وسجد...
ثم سلّم.وبعد الصلاة سأل نفسه:
كيف انتهت الصلاة بهذه السرعة
والسؤال الأهم.هل أنا صليت بجسدي فقط، أم أن قلبي صلى معي
أنت لا تحتاج أن تهرب من الدنيا
بعض الناس يظن أن الخشوع معناه أن يفرغ رأسه تمامًا من كل فكرة.
وهذا ليس سهلًا على الإنسان.
فالإنسان يفكر، ويتذكر، ويخطط، ويخاف، ويرجو.
والنبي ﷺ أخبرنا أن الشيطان يأتي الإنسان في صلاته فيذكّره بأشياء حتى يلبس عليه صلاته.
إذن لا تستغرب إذا جاءتك فكرة وأنت تصلي.
المشكلة ليست في أن تأتي الفكرة.
المشكلة أن تسافر معها.
تأتيك فكرة عن العمل، فتترك الصلاة وتذهب إلى العمل.
تأتيك مشكلة في البيت، فتترك الصلاة وتدخل في تفاصيل المشكلة.
تتذكر شخصًا أساء إليك، فتبدأ في محاكمته داخل رأسك.
وهنا تكون قد وقفت بجسدك أمام القبلة، بينما قلبك يدور في شوارع الدنيا.
ولكن ماذا تقول الله أكبر..هذه أعظم نقطة.
أنت عندما تقول..الله أكبر..فأكبر من ماذا
أكبر من كل شيء...أكبر من المال.
أكبر من الخوف...أكبر من المرض.
أكبر من المستقبل.أكبر من الإنسان الذي ظلمك.
أكبر من المشكلة التي عجزت عن حلها.
أكبر من الدنيا نفسها...ولهذا لا ينبغي أن تكون الله أكبر مجرد مفتاح نبدأ به الصلاة.
بل ينبغي أن تكون رسالة إلى القلب:
يا قلب، اطمئن...لقد تركنا الآن كل شيء عند من يملك كل شيء.أنت تحمل همًّا
الله أكبر من همك...تخاف من المستقبل
الله أكبر من المستقبل.
تبحث عن رزق..الله أكبر من الرزق وأسبابه.
تريد شيئًا لا تستطيع الوصول إليه
الله أكبر من كل طريق مغلق.
فإذا صدق القلب مع هذه الكلمة، بدأت الدنيا تصغر...لا تحاول أن تمنع الفكرة بالقوة
هناك خطأ يقع فيه بعض الناس.
كلما جاءت فكرة أثناء الصلاة قال
لا أفكر... لا أفكر... لا أفكر.
فيزداد التفكير..لماذا
لأنك عندما تقول لنفسك «لا تفكر في الشيء تكون قد جعلت الشيء هو مركز تفكيرك.
والأصح أن تفعل شيئًا أبسط..دع الفكرة تمر.
ثم ارجع...سرحت في أثناء الفاتحة
ارجع إلى الفاتحة...سرحت في الركوع
ارجع إلى التسبيح...سرحت في السجود
ارجع إلى الدعاء...لا تعاقب نفسك.
ولا تقل..أنا لا أعرف أصلي.
بل قل..يا رب، أعنّي على حضور قلبي.
اقرأ القرآن وكأنك تسمعه لأول مرة
تأمل الفرق بين أن تقول
الحمد لله رب العالمين
وبين أن تقولها وأنت تستشعر معناها.
أنا أحمد الله...على ماذا
على أنني ما زلت حيًا.
على نعمة العقل...على نعمة الأهل.
على نعمة الستر...على نعم أعرفها ونعم لا أعرفها.ثم تقول..الرحمن الرحيم
فتتذكر أن الذي تقف أمامه رحمن رحيم.
ثم..مالك يوم الدين
فتتذكر أنك مهما ملكت في الدنيا، فإن الملك الحقيقي لله.
ثم..إياك نعبد وإياك نستعين
وهنا تدخل الصلاة إلى القلب.
فأنت لا تقول فقط..نعبدك..بل تقول نستعين بك.
أي..يا رب، أنا لا أقدر وحدي.ساعدني.
قوّني...اهدني...أصلحني...احفظني.
والسجود ليس مجرد حركة
هناك لحظة في الصلاة يضع فيها الإنسان أعز ما يملك...وجهه.
يضع جبهته على الأرض.
لماذا..حتى يتعلم القلب معنى العبودية.
قد يرفض الإنسان أن ينحني أمام إنسان.
وقد يظن نفسه أكبر من غيره.
ولكن عندما يقول
سبحان ربي الأعلى...فهو يعترف:
أنت الأعلى يا رب...ولست أنا.
وفي السجود تستطيع أن تحمل كل ما أتعبك وتضعه بين يدي الله.
قل..يا رب، أنت تعلم ما في قلبي.
يا رب، أنت تعلم ما أخفيه عن الناس.
يا رب، أنت تعلم ما لا أعرف كيف أشرحه.
يا رب، أصلح لي شأني كله.
وهنا يتحول السجود من حركة جسدية إلى راحة للقلب.
لا تنتظر أن تنتهي مشاكلك حتى تخشع
هذه فكرة خطيرة..لو حياتي استقرت، سأخشع.
ومن قال إن الحياة ستستقر
ستنتهي مشكلة، وتبدأ أخرى.
ويأتي رزق، ويأتي معه خوف عليه.
وتتحقق أمنية، فتظهر أمنية أخرى.
الدنيا بطبيعتها متغيرة.
ولذلك لم يجعل الله الصلاة مكافأة للإنسان الذي انتهت مشاكله.
بل جعلها ملجأ للإنسان وهو في وسط مشاكله.
قال تعالى..وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ
تأمل:..استعينوا.
أي أن الصلاة ليست فقط شيئًا تؤديه، وإنما شيء تستعين به.
تدخل الصلاة مثقلًا...
وتخرج منها وقد حملت قلبك إلى الله.
قد لا تكون المشكلة انتهت.
ولكن أنت أصبحت أقوى على مواجهتها.
كيف تجعل الصلاة مختلفة
جرب في الصلاة القادمة خمس دقائق فقط من الصدق.قبل أن تكبّر، توقف لحظة.
لا تمسك الهاتف.لا تنشغل بما حولك.
قف أمام القبلة وقل في نفسك
يا رب، أنا جئت إليك.
ثم قل..الله أكبر.
ولا تستعجل.
وعندما تقرأ الفاتحة، حاول أن تفهم كل آية.
وعندما تركع، لا تجعل الركوع مجرد انتقال.
قل..سبحان ربي العظيم.
واشعر بعظمة من تركع له.
وعندما تسجد، تذكر أنك الآن في أقرب حالاتك إلى الله.وإذا شردت...ارجع.فقط ارجع.ولا تيأس.الخشوع رحلة وليس زرًا
لا يوجد إنسان يضمن أنه سيبقى حاضر القلب طوال الصلاة...حتى أفضل الناس قد يعرض له ما يعرض للبشر.
ولكن الفرق أن هناك قلبًا إذا شرد، بحث عن الله.
وقلبًا إذا شرد، استسلم للدنيا.
فلا تطلب من نفسك المستحيل.
لا تقل...لن أفكر في أي شيء.
قل..كلما فكرت في شيء خارج الصلاة، سأعود إلى الله.مرة...ثم مرة...ثم مرة.وبمرور الوقت يتعلم القلب.وفي النهاية...
ربما لا تستطيع أن تمنع الدنيا من الدخول إلى رأسك.
لكن تستطيع ألا تجعلها تستولي على قلبك.
قد تدخل الصلاة وأنت مهموم...فلا بأس.ادخل بهمّك.ولكن لا تخرج به وحدك.ضعه عند الله.وقد تدخل الصلاة وأنت خائف...فلا بأس.قل الله أكبر.أي أن الذي أخاف منه ليس أكبر من الله.
وقد تدخل الصلاة وأنت مكسور...
فلا بأس.فالسجود موضع الانكسار لله، ومن انكسر لله جبره الله.
ولذلك عندما تقول في المرة القادمة:
الله أكبر..لا تجعلها مجرد كلمة.
اجعلها عهدًا بينك وبين نفسك:
لن أجعل شيئًا في هذه الدنيا أكبر من الله.
فإذا كبر الله في القلب...صغرت الدنيا.
وإذا صغرت الدنيا...هدأ القلب.
وإذا هدأ القلب...بدأت الصلاة تصبح شيئًا آخر.
لم تعد دقائق تؤديها حتى تنتهي...
بل أصبحت دقائق تستريح فيها من الدنيا، وتعود فيها إلى رب الدنيا.


0 تعليقات