خالد البنا يكتب قراءة في الحلقة 29/19 أزمة 54 للمؤرخ اللواء أشرف جمال حماد بمنهج تاريخي

 

قراءة في الحلقة 29/19 أزمة 54 للمؤرخ اللواء أشرف جمال حماد بمنهج تاريخي تحليلي




بقلم خالد البنا 


أزمة مارس 1954حين كانت الدبابات أقرب إلى مركز السلطة من الجماهير


تكمن أهمية هذه الحلقة في أنها تضع إصبعها على موضع شديد الحساسية في أزمة مارس 1954: من الذي أجبر مجلس قيادة الثورة على التراجع في الساعات الأولى


وهنا ينبغي أن نكون دقيقين؛ لأن الإجابة ليست بالبساطة التي استقرت في الذاكرة الشعبية.


فإذا نظرنا إلى أحداث ليلة 26-27 فبراير، نجد أن هناك عاملين مختلفين تداخلا: ضغط شعبي واسع من ناحية، وتمرد/ضغط عسكري من داخل الجيش، ولا سيما سلاح الفرسان، من ناحية أخرى. الوثائق الأمريكية المعاصرة تسجل بالفعل تحرك ضباط الفرسان للمطالبة بعودة نجيب، ثم تحرك الدبابات، وفي الوقت نفسه تسجل أن الشارع شهد مظاهر تأييد لنجيب. 


ومن هنا تصبح المسألة أكثر إثارة من الرواية المبسطة التي تقول: «خرج الشعب فضغط، فتراجع مجلس الثورة».


الدبابة التي غيّرت حسابات السياسيين


في السياسة، قد تكون المظاهرة قوية، لكنها تظل في النهاية قوة ضغط سياسية.


أما الدبابة الموجودة على مسافة قريبة من مركز القيادة فشيء آخر.


لقد كان مجلس قيادة الثورة نفسه مكوَّنًا من ضباط، ويعرف جيدًا معنى أن تنقسم وحدات الجيش على نفسها.


وهذه هي النقطة التي تجعل قراءة الحلقة مهمة.


ففي ليلة الأزمة، لم يكن الخلاف مجرد خلاف بين رئيس جمهورية ومجلس قيادة ثورة، وإنما أصبح هناك احتمال لصدام مسلح بين أجنحة داخل المؤسسة العسكرية نفسها.


وتشير وثيقة دبلوماسية أمريكية مؤرخة في 27 فبراير إلى أن ممثلين عن ضباط الفرسان ذهبوا إلى عبد الناصر مطالبين بإعادة نجيب، وأن خالد محيي الدين دخل على الخط، ثم ارتبطت التطورات بتحرك وحدات الفرسان. كما تسجل الوثيقة أن الوضع كان شديد الاضطراب وأن أخبار عودة نجيب انتشرت في الشارع. 


وهنا تظهر قيمة الدبابة تاريخيًا


لم تكن مجرد سلاح؛ كانت رسالة سياسية.


رسالتها أن الخلاف لم يعد يمكن حسمه بقرار يصدر من غرفة اجتماعات.


هل كان مجلس الثورة يخشى الجماهير أم الجيش


هنا يجب أن نميز بين مرحلتين.


في اللحظة الأولى من الأزمة، كان الخطر الأكثر مباشرة على أعضاء المجلس هو انقسام الجيش.


أما الجماهير فقد أعطت الأزمة بعدًا آخر، وأظهرت أن نجيب لم يكن شخصية بلا قاعدة شعبية.


وهذا ما تؤكده أيضًا وثيقة 28 فبراير، التي تحدثت صراحة عن أن مجلس قيادة الثورة أساء تقدير شعبية نجيب، وأن رد الفعل داخل الجيش والجمهور أجبره على إعادته. 


إذن القول إن الشعب «لم يكن له أي دور» يحتاج إلى قدر من التحفظ.


الأدق تاريخيًا أن نقول


الجماهير لم تكن هي القوة العسكرية التي حاصرت مركز القيادة، لكن وجودها الشعبي جعل كلفة الصدام العسكري والسياسي أكبر.


وهذا فرق مهم جدًا.


لماذا كان سلاح الفرسان عنصر الحسم


لأن سلاح الفرسان لم يكن مجرد مجموعة من المدنيين المحتجين.


كان ضباطًا.


وكان وراءهم سلاح.


وكانت الدبابات جزءًا من المعادلة.


وهذا جعل مطالبهم مختلفة نوعيًا عن مطالب مظاهرة في الشارع.


فالشارع يستطيع أن يهتف


نجيب أو الثورة


لكن الضباط يستطيعون، في لحظة الانفجار، أن يجعلوا السؤال


هل ستستجيبون، أم سنستخدم القوة


وهنا تتحول السياسة إلى معادلة عسكرية.


وهذا بالضبط ما يجعل أزمة مارس واحدة من أخطر الأزمات في تاريخ مصر الحديث؛ لأنها اقتربت من اللحظة التي يمكن أن يتحول فيها الخلاف السياسي إلى حرب داخل الجيش.


عبد الناصر أمام الاحتمال الأصعب


من هذه الزاوية نستطيع أن نفهم المشهد الذي تصفه الحلقة: عبد الناصر يعود إلى مجلس قيادة الثورة، ثم يناقش اقتراحًا يصل إلى حد حل المجلس، وإعادة نجيب، وتشكيل حكومة مدنية برئاسة خالد محيي الدين.


كان الاقتراح، في ظاهره، تنازلًا هائلًا.


لكن يجب أن نتذكر أن السياسة لا تقاس دائمًا بما يبدو تنازلًا على الورق، وإنما بما يمنعه هذا التنازل من خسائر.


فإذا كان البديل هو اقتتال بين وحدات الجيش، فإن التراجع قد يصبح، في حسابات السلطة، أقل الخسائر سوءًا.


وهنا لا نحتاج إلى افتراض أن عبد الناصر كان جبانًا أو أنه استسلم ببساطة.


الأدق أن نقول


كان أمام ميزان قوة لم يكن مضمونًا لصالحه في تلك اللحظة، فاختار المناورة والتراجع التكتيكي.


وهذه نقطة مهمة جدًا لفهم شخصية عبد الناصر السياسية.


فالسياسي القوي ليس بالضرورة هو الذي لا يتراجع.


أحيانًا يكون الأقوى هو الذي يعرف متى يتراجع حتى لا يخسر المعركة كلها.


هل كان حل مجلس قيادة الثورة حقيقيًا


هنا يجب أن ننتبه إلى كلمة حل


القرارات التي أعلنها عبد الناصر أمام ضباط الفرسان تضمنت حل مجلس قيادة الثورة وعدم عودة أعضائه إلى صفوف الجيش، وعودة محمد نجيب رئيسًا لجمهورية برلمانية، وتكليف خالد محيي الدين بتشكيل حكومة مدنية وإعادة الحياة النيابية. وقد وردت هذه الصيغة في مصادر صحفية وتاريخية عن الأزمة. 


لكن التطورات اللاحقة أثبتت أن هذا الحل لم يكن نهاية السلطة الثورية.


فبعد أيام، اتخذ المجلس قرارات أخرى في 5 مارس، ثم جاءت قرارات 25 مارس التي نصت على السماح بالأحزاب وانتخاب جمعية تأسيسية وتسليم السلطات إليها في 24 يوليو، قبل أن تُرجأ هذه القرارات في 29 مارس 1954


إذن ما حدث في 27 فبراير كان أقرب إلى تسوية أزمة تحت ضغط القوة منه إلى انتقال نهائي ومستقر للسلطة.


المفارقة التي تكشفها الأزمة


وهنا نصل إلى المفارقة التاريخية الكبرى.


جاءت حركة يوليو وهي تتحدث باسم إنقاذ البلاد.


ثم وجدت السلطة الجديدة نفسها، بعد أقل من عامين، أمام أجنحة داخل الجيش تتنازع حول مستقبل الحكم.


لم يعد الصراعالجيش ضد الملك.


بل أصبح..الجيش ضد الجيش حول سؤال: من يحكم مصر


وهذه لحظة تاريخية بالغة الخطورة.


فالجيش الذي كان مصدر قوة النظام أصبح هو نفسه مصدر الخطر عليه.


وسلاح الفرسان، الذي كان جزءًا من المؤسسة العسكرية، أصبح في تلك الساعات قادرًا على تهديد مركز السلطة نفسها.


لكن هل نستطيع أن نقول إن «الشعب لم يكن له دور»؟


هنا أختلف قليلًا مع الصياغة المطلقة.


نعم، الحلقة تكشف أن القوة العسكرية كانت عنصرًا حاسمًا في إجبار مجلس الثورة على التراجع في تلك اللحظة.


لكن لا يصح محو العامل الشعبي تمامًا.


فالوثائق المعاصرة نفسها تتحدث عن رد فعل شعبي قوي لصالح نجيب، وعن أن مجلس الثورة أساء تقدير شعبيته. 


كما أن ذاكرة مصر المعاصرة في مكتبة الإسكندرية تسجل خروج مظاهرات مؤيدة لنجيب في أنحاء مصر، وإن كانت هذه الرواية الرسمية لا تفصل دائمًا بدقة بين مختلف القوى المشاركة في تلك التحركات. 


لذلك فإن الصياغة التاريخية الأكثر صلابة هي:


لم تكن أزمة فبراير/مارس ثورة شعبية خالصة أجبرت الجيش على الاستسلام، كما أنها لم تكن صراع دبابات معزولًا عن المجتمع؛ بل كانت صراعًا داخل السلطة العسكرية، اكتسب قوة إضافية من الشعبية التي تمتع بها نجيب ومن رد الفعل الجماهيري.


ومن هنا نفهم عبقرية اللحظة السياسية


في التاريخ السياسي، ليست كل هزيمة هزيمة نهائية.


وقد يخسر السياسي جولة حتى يكسب الحرب.


وهذا بالضبط ما يجعل أزمة مارس مثيرة للاهتمام في دراسة عبد الناصر.


ففي ليلة بدا فيها أن مجلس قيادة الثورة على وشك الانهيار، ظهرت صيغة تعيد نجيب وتُخرج المجلس من الحكم.


لكن هذه لم تكن نهاية القصة.


فالقرارات التي بدا أنها ستعيد مصر إلى الحياة الدستورية لم تستقر؛ وفي 17 أبريل أصبح عبد الناصر رئيسًا للوزراء، واقتصر دور نجيب على رئاسة الجمهورية. ثم انتهى الأمر في نوفمبر 1954 إلى إعفاء نجيب من مناصبه، واستمرار مجلس قيادة الثورة في ممارسة سلطاته بقيادة عبد الناصر. 


وهنا تظهر أعظم مفارقات أزمة مارس:


الذي بدا في 27 فبراير انتصارًا لسلاح الفرسان ولأنصار نجيب، لم يكن النهاية؛ بل أصبح مرحلة في الصراع الذي انتهى لاحقًا إلى انتصار عبد الناصر.


الخلاصة


إذا أردنا أن نلخص الحلقة في جملة واحدة، فربما تكون:


في 27 فبراير 1954 لم تُسقط الجماهير مجلس قيادة الثورة بالدبابات، ولم تُسقط الدبابات الجماهير؛ وإنما وضعت الدبابات مجلس الثورة أمام حقيقة أن السلطة العسكرية نفسها قد انقسمت على ذاتها، بينما جعل الضغط الشعبي المؤيد لنجيب تكلفة تجاهل هذا الانقسام أعلى بكثير.


وهنا تكمن قيمة أزمة مارس تاريخيًا.


فهي لم تكن فقط معركة بين ناصر ونجيب.


كانت أيضًا معركة بين مفهومين للسلطة:


هل الثورة سلطة تستمد شرعيتها من استمرارها في الحكم


أم حركة عسكرية مهمتها أن تفتح الطريق ثم تعود إلى ثكناتها


وفي تلك الساعات، بدا للحظة أن الإجابة الثانية قد تنتصر.


لكن التاريخ كان لا يزال يكتب فصوله.


إرسال تعليق

0 تعليقات