أزمة 54.. حين كان الجيش هو صاحب الكلمة الأخيرة
بقلم خالد البنا
ثمة أزمات سياسية يكون الشارع فيها هو صاحب الكلمة الأخيرة، وأزمات أخرى يبدو فيها الشارع حاضرًا، يهتف ويتظاهر ويضغط، لكن الكلمة الفصل تظل في مكان آخر.
ولعل أزمة مارس 1954 من النوع الثاني.
فإذا نزَعنا عن الأزمة ما تراكم حولها من شعارات سياسية لاحقة، وأعدنا النظر إليها باعتبارها صراعًا على السلطة في لحظتها التاريخية، فسوف نجد أن السؤال الأساسي لم يكن.. ماذا يريد الشعب بقدر ما كان..من يملك القوة داخل الجيش
وهذه نقطة تستحق التوقف طويلًا.
ففي 27 فبراير، عندما تحرك ضباط الفرسان مطالبين بعودة محمد نجيب، لم تكن القضية قد خرجت بعد من إطار المؤسسة العسكرية. وكانت المدفعية والمشاة والقوات الجوية إلى جانب مجلس قيادة الثورة، بينما كان الفرسان يمثلون مركز القوة المقابل. وتكشف وثيقة دبلوماسية أمريكية أن الوضع وصل إلى درجة شديدة الخطورة، وأن تحرك الفرسان كاد يقلب موازين السلطة.
هنا تظهر حقيقة الأزمة في صورتها الأولى
الدبابة في مواجهة الدبابة، والضابط في مواجهة الضابط، والسلاح في مواجهة السلاح.
وليس من قبيل المصادفة أن يصبح اسم خالد محيي الدين حاضرًا في قلب هذه اللحظة؛ فقد كان انتقاله إلى معسكر الفرسان، وربطه بين مطالبهم وبين عودة نجيب والحياة الدستورية، تعبيرًا عن أن الصراع لم يعد مجرد خلاف داخل مجلس قيادة الثورة، وإنما أصبح خلافًا يمتد إلى وحدات الجيش نفسها.
لكن المفارقة التاريخية أن الجيش لم يكن كتلة واحدة.
وهنا تكمن أهمية أزمة 54.
فالقول إن الجيش حسم الأزمة لصالح عبد الناصر لا يعني أن الجيش كله كان منذ البداية وراء عبد الناصر. العكس هو الأقرب إلى الحقيقة؛ فقد ظهرت داخل القوات المسلحة مواقف متعارضة، ثم بدأ ميزان القوة يتحرك تدريجيًا.
وفي 28 مارس، تشير وثيقة أمريكية إلى أن ضباط القوات الجوية اجتمعوا وقرروا رفض القرارات التي كانت تقود إلى حل مجلس قيادة الثورة، ثم تبعتهم البحرية، وبعد ذلك تبنت فروع الجيش الأخرى الموقف نفسه.
وهنا، ربما للمرة الأولى، أصبحت المعادلة واضحة
من يملك الجيش يملك إمكانية فرض الحل.
أما الشعب، فقد كان حاضرًا، ولكن حضوره كان من طبيعة مختلفة.
لقد خرجت مظاهرات مؤيدة لنجيب، كما خرجت مظاهرات مؤيدة لمجلس قيادة الثورة، وتحرك الطلاب والعمال والنقابات. بل إن الوثائق الأمريكية تصف استخدام الحركة العمالية سياسيًا على نطاق واسع أثناء الأزمة.
ولكن هل كان هذا الحضور الشعبي هو الذي حسم المعركة
هنا ينبغي التمييز بين التأثير والحسم.
فالشعب استطاع أن يؤثر في حسابات السياسيين والعسكريين. والدليل أن مجلس قيادة الثورة، عندما أقدم على إبعاد نجيب في فبراير، اكتشف أن حساباته بشأن شعبيته لم تكن دقيقة؛ وقد خلص السفير الأمريكي إلى أن رد الفعل في الجيش والشارع معًا أجبر المجلس على إعادة نجيب.
لكن التأثير شيء، والحسم شيء آخر.
فالمتظاهر يستطيع أن يضغط، والصحفي يستطيع أن يكتب، والطالب يستطيع أن يهتف، والعامل يستطيع أن يضرب عن العمل؛ أما من يملك المدفع والدبابة والطائرة ومراكز القيادة فهو الذي يمتلك في النهاية القدرة على فرض القرار عندما يتحول الصراع السياسي إلى صراع على السلطة.
وهذه هي العقدة الحقيقية في أزمة مارس.
لقد ظهرت الديمقراطية في الأزمة باعتبارها مطلبًا سياسيًا، لكنها لم تكن هي الآلية التي حسمت الصراع.
لم تذهب الجماهير إلى صندوق انتخاب لتختار بين نجيب وناصر.
ولم يصدر الشعب تفويضًا انتخابيًا لجمال عبد الناصر.
بل إن الوثيقة الأمريكية نفسها، وهي ترصد نهاية الأزمة، تميز بين التأييد الشعبي وبين موقف القوات المسلحة؛ فتذكر أن القوات المسلحة أظهرت وقوفها بقوة إلى جانب مجلس قيادة الثورة، بينما كان التفويض الشعبي الذي حصل عليه المجلس ــ في تقديرها ــ تفويضًا سلبيًا بالأساس، أي رفضًا لعودة الأحزاب القديمة، وليس تفويضًا صريحًا بحكم عبد الناصر شخصيًا.
وهذه ملاحظة شديدة الأهمية.
فقد يكون الشعب ضد عودة النظام الحزبي القديم، دون أن يعني ذلك أنه اختار عبد الناصر حاكمًا.
وقد يكون الشعب مؤيدًا لنجيب، دون أن يمتلك الوسيلة المؤسسية لإعادته.
وهنا يظهر الفرق بين الشرعية الشعبية والقوة السياسية.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن عبد الناصر نفسه أدرك هذه الحقيقة مبكرًا.
فوثيقة أمريكية مؤرخة في 30 مارس تنقل تقديرًا يرى أن ناصر سمح للوضع السياسي بالتدهور بما يؤدي إلى رد فعل داخل القوات المسلحة، ثم استطاع أن يستند إلى مظاهرة التضامن العسكري التي ظهرت بعد ذلك. وهذه شهادة خارجية مهمة، وإن كان ينبغي التعامل معها بوصفها تقديرًا دبلوماسيًا أمريكيًا لا حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش.
ومن هنا يمكن قراءة أزمة 54 قراءة مختلفة عن القراءة الشائعة.
لم تكن المعركة مجرد:
نجيب ضد ناصر.
بل كانت:
نجيب + أنصاره داخل الجيش وخارجه
في مواجهة
مجلس قيادة الثورة + موازين القوة العسكرية التي أخذت تستقر تدريجيًا إلى جانبه.
وعندما استقرت تلك الموازين، أصبحت بقية المعركة سياسية وإعلامية وشعبية أكثر منها عسكرية.
وهنا ربما نستطيع أن نفهم لماذا ظلت شخصية نجيب ذات حضور جماهيري، ومع ذلك لم تستطع الجماهير أن تعيد تشكيل السلطة على صورتها.
لقد كان نجيب يمتلك رمزية شعبية.
أما ناصر فكان يمتلك، مع حلفائه، مفاتيح القوة داخل الدولة والجيش.
وهذه واحدة من أكثر المفارقات قسوة في التاريخ السياسي المصري الحديث:
قد يملك رجل الشعبية، بينما يملك رجل آخر أدوات السلطة.
وفي أزمات كهذه، لا يكفي أن تسأل: من كان محبوبًا؟
بل ينبغي أن تسأل أيضًا:
من كان يملك القدرة على تنفيذ ما يريد؟
وهنا تحديدًا تبدو أزمة 54، عند إعادة قراءتها بعيدًا عن الروايات المنتصرة والمهزومة، أزمة عسكرية في قلبها، سياسية في مظهرها، وشعبية في بعض مراحلها، لكن الحسم النهائي فيها ارتبط بميزان القوة داخل القوات المسلحة.
ولذلك فإن القول بأن الجيش حسم أزمة 54 لصالح جمال عبد الناصر ليس تبسيطًا بالضرورة؛ وإنما يصبح تفسيرًا قويًا إذا أضفنا إليه العبارة المكملة:
لم يكن الجيش كتلة واحدة، لكن الطرف الذي استطاع في النهاية أن يجمع أغلبية أسلحة الجيش وراءه هو الذي امتلك مفتاح الحسم.
أما الشعب، فلم يكن غائبًا.
كان حاضرًا، وهتف، وتظاهر، وضغط، وأخاف هذا الطرف أو ذاك.
لكنه لم يكن صاحب المطرقة التي طرقت المسمار الأخير.
والمطرقة، في مارس 1954، كانت في يد الجيش.

0 تعليقات