مانديلا أسطورة الزمان بقلم د ناجح إبراهيم

 

مانديلا أسطورة الزمان




بقلم د ناجح إبراهيم

• أحببت اثنين حبا جما دون أن ألتقي بهما ، كتبت عنهما كثيرا، تأملت سيرتهما طويلاً، عشقت قصص كفاحهما وعطائهما، والغريب أنهما من أفريقيا، أحدهما النجاشي ذلك الملك الصالح العابد الزاهد، ومانديلا ذلك الحاكم العادل المتفرد نجاشي العصر وأيقونة الزمان ، كلاهما يشبه الآخر.

• كتبت كثيراً عن النجاشي، وكذلك عن مانديلا، وها أنذا أجدد الكتابة اليوم عن مانديلا الذي أحببته وتأثرت به كثيراً، هذا هو مانديلا عملاق العدل والإنصاف والزهد .

• عاش مانديلا يتيماً فأعطته مدرسة اليتم صلابة في رحمة وقوة في تسامح ,آمن بأن الإنسان هو السلعة الأغلى والأعظم وصاحب السيادة في بلده , كان يكرر القول:إن بلدي غنية بالمعادن والأحجار الكريمة المدفونة تحت أرضها ولكني أعرف دائماً أن ثروتها الحقيقية في أناسها وفي أولئك الرفاق الذين تعلمت منهم الشجاعة ,فكم رأيت رجالاً ونساءً يضحون بحياتهم من أجل فكرة الحرية ورأيت رجالاً يواجهون تعذيباً دون أن يهنوا مظهرين قوة واحتمالاً يفوق الخيال,وتعلمت منهم أن الشجاعة ليست في انعدام الخوف ولكن في الانتصار عليه.

• ويصف شعبه في يوم إنهاء سياسة التفرقة العنصرية وتساوي السود مع البيض بقوله:لقد جاء هذا اليوم عن طريق تضحيات لا يمكن تصورها من جانب الآلاف من شعبي ذلك الشعب الذي لا يمكن تقدير أو مجاراة شجاعته,أبى الرجل أن ينسب الفضل لنفسه أو إلي حزبه الإفريقي الذي كابد الأهوال كي يصل لتلك اللحظة الفارقة في حياته وحياة أمته.

• وقف يوم الاحتفال بتتويجه رئيساً ينظر لقادة الجيش والشرطة وهم يحيونه,فكتب في مذاكراته"لم أنس أنهم لم يكونوا يحيونني بل كانوا يلقون القبض عليُّ,وهم اليوم لا يحيون شخصي في المقام الأول ولكن الديمقراطية والحرية والتسامح والعدالة بين السود والبيض".

• تذكر مانديلا في هذه اللحظات الفارقة في تاريخ جنوب أفريقيا كيف تدرج فهمه للحرية منذ شبابه وحتي هذه اللحظة "ولدت حراً أجري في الحقول وأسبح في القناة وأمارس النشاطات الصبيانية"وعندما ذهبت لجوهانسبرج وجدت أنني لست حراً وكذلك كل السود فانضممت للمؤتمر الوطني الإفريقي لأطلب الحرية للسود , وجدت بعد ذلك أن فهمي كان قاصراً لا تطلب الحرية للسود فقط بل لكل الناس بيضاً وسوداً.

• ثم تطور الأمر معه ليحرر الظالم من الكراهية والتمييز وضيق الأفق ، ولما خرج من السجن تطور مفهومه إلي مهمة " تحرير الظالم والمظلوم"حسب قوله,فقد اكتشف السر أنه بعد أن يتسلق الإنسان تلاً يكتشف أن عليه أن يتسلق تلالاً أخري كثيرة".

• لقد فزع مانديلا في نهاية كفاحه حينما اكتشف أنه اهتم بشعبه علي حسابه أسرته ولكنه واسي نفسه بقوله :"في بلد مثل جنوب أفريقيا كان من المستحيل أن أجمع بين واجب أسرتي ووطني وقومي بسبب مولدي ولوني , فمثلنا الذي يحاول أن يفي بواجبه نحو شعبه يُنزع من أسرته ومنزله ويجبر علي مثل ما أجبرت عليه, لم أختر أن أضع شعبي فوق أسرتي ولكنني منعت قسراً أن أودي واجبي نحوها".

• وحينما فاز بجائزة نوبل للسلام قال:"لم أكن أهتم بالجوائز الشخصية لأنه لا يليق للمقاتل من أجل الحرية أن يأمل في كسب الجوائز،ولكني فرحت وتأثرت بهذه الجائزة بالذات لأن لها معني خاصاً في جنوب أفريقيا حيث حصل عليها الرئيس لوثولي في الستينات والأسقف توتو الذي حارب شرور العرقية والتمييز العنصري ،كما أن النرويج والسويد لم يتخليا أبداً عن السود.

• وبعد أن أخذ كل ذي حق حقه وسطعت شمس الحرية وتساوي البيض مع السود في أفريقيا توقفت أعمال العنف تماماً في جنوب أفريقيا حيث قادها مانديلا بالحب والتسامح وليس بالسيف والكرباج وقال في ختام مذاكراته:"وكأنما البلد قد ولدت من جديد".

• وفازت جنوب أفريقيا بقرعة تنظيم مباريات كأس العالم لتأتى وفود العالم كله إلي الاتحاد الذي كان يحكمه البيض وحدهم فإذا فيه كل الأجناس والألوان واللغات والأعراق في تناغم يدل علي أنه يمكن لأبناء آدم أن يتعايشوا في سلام إذا تركوا أطماعهم ومظالمهم  وأثرتهم وإقصائهم للآخرين .

• هذا هو مانديلا الذي استقال بعد مدة رئاسية واحدة رغم أنه كان يمكنه البقاء حتي الممات,ولكنه كان عبقرياً ومتسامحاً وزاهداً ليجمع شعبه ويوحده وينهي صراعاته إلي الأبد .

• تحية للحبيب الأثير نيلسون مانديلا الذي لن يتكرر في هذا الزمان .


إرسال تعليق

0 تعليقات