سينا... حين يولد الإنسان من رحم الحرب قراءة نقدية في فى نص "سينا: الحقيقة والغفران" للروائى محى الدين حافظ
بقلم د أماني الصاوي
في قصيدة "سينا: الحقيقة والغفران"، يكتب محيي الدين محمود حافظ نصًا تتداخل فيه الذاكرة الشخصية بالذاكرة الوطنية، ويتقاطع فيه الموت مع الميلاد، والحرب مع الحب، والصلابة مع الدموع. ومنذ العنوان، تبدو "سينا" كلمة مفتاحية تفتح أمام القارئ أكثر من باب للتأويل؛ فهي ليست مجرد إحالة إلى أرض سيناء، وإنما هي أيضًا اسم الابن الذي اختار له والده اسم "سينا" استلهامًا من المكان الذي ارتبط ببطولته وتجاربه بوصفه أحد أبطال الجيش. ومن هنا يصبح الاسم نفسه جسرًا بين الأرض والابن، وبين الوطن والذاكرة، وبين الماضي العسكري والحاضر الإنساني.
تبدأ القصيدة من منطقة شديدة القتامة "بين ثنايا الموت والحرمان
وخرير الدم حولي ولا غفران"
إنها بداية تضع القارئ مباشرة في قلب تجربة قاسية؛ فالموت والحرمان والدم ليست مجرد مفردات حزينة، وإنما هي مفردات تنتمي إلى عالم الحرب ومواجهة الخطر. والذات المتكلمة تبدو في البداية أسيرة هذه الذاكرة، وكأنها تحمل آثار المعركة داخلها حتى بعد انتهائها.
ويزداد حضور الحرب في قوله "رمل ودمار وإما الشهادة
أو سيف العدالة بدعوى الإيمان"
هنا لا يقدم حافظ الحرب باعتبارها بطولة مجردة، بل يكشف أيضًا عن وجهها المأساوي، حيث يصبح الإنسان محاصرًا بين الموت والشهادة، وبين العنف الذي قد يُرتكب "بدعوى الإيمان". وتكتسب العبارة الأخيرة أهمية خاصة؛ لأنها تميز بين الإيمان بوصفه قيمة روحية وبين استخدامه ذريعة للعنف. وبذلك يتجاوز النص التسجيل الشخصي لتجربة عسكرية إلى تأمل أوسع في الإنسان حين يجد نفسه أمام الموت باسم قضايا كبرى.
وفي خضم هذه التجربة، يدخل المتكلم إلى مساحة من الضياع الداخلي "ضال أنا لا روح ولا رفيق
مجرد أحزان"
إنها لحظة انهيار داخلي لشخص يبدو، في ظاهر الأمر، شديد الصلابة. وهنا تكمن إحدى المفارقات الجميلة في النص: البطل الذي استطاع مواجهة الموت في الخارج، يجد نفسه عاجزًا عن مواجهة فراغه الداخلي. فالصلابة العسكرية لا تعني بالضرورة المناعة العاطفية، والقدرة على مواجهة الخطر لا تلغي حاجة الإنسان إلى الحب والرفقة والمعنى.
ومن اللافت أن حافظ يجعل "القلم" جزءًا من رحلة البحث "ووجدت ضالتي في هلاوس
وقلم وبحت عن الإله والأديان"
فبعد أن عاش المتكلم تجربة الموت، يبدأ في البحث عن معنى يتجاوز الموت. يصبح القلم وسيلة للبوح والتأمل، وتتحول الكتابة إلى محاولة لاستعادة شيء فقده الإنسان وسط الحرب: المعنى.
ثم تأتي واحدة من أهم لحظات التحول في القصيدة "مهلا
ظهر النور"
إن كلمة "مهلا" القصيرة تعمل كوقفة سينمائية تقريبًا؛ فهي توقف اندفاع السرد المأساوي وتعلن أن شيئًا جديدًا على وشك أن يحدث. ثم يأتي "النور" في مقابل ظلام المقاطع الأولى. ومن هنا يبدأ الانتقال من عالم الحرب إلى عالم الميلاد.
والصورة التالية شديدة الدلالة "وخرج من ضلعي
ملكًا صغيرًا بجناحين"
إن الطفل هنا ليس مجرد مولود، وإنما يصبح رمزًا للخلاص. "الملك الصغير" صورة تمنح الطفل مكانة استثنائية في وجدان الأب، بينما يضيف "الجناحان" إيحاء بالبراءة والحرية والتحليق بعيدًا عن عالم الدم والدمار الذي سيطر على بداية القصيدة.
وهنا تحديدًا يكتسب اسم "سينا" ثقله الرمزي الحقيقي. فالابن يحمل اسم المكان الذي ترك أثره في حياة والده. ولذلك فإن الأب لا يسمي ابنه باسم سيناء اعتباطًا، بل يحول المكان الذي شهد البطولة والخطر إلى كائن حي يحمل استمرار تلك الذاكرة. سيناء التي كانت في الماضي أرض المعركة تصبح الآن اسمًا لطفل؛ أي إن المكان الذي ارتبط بالموت يصبح مرتبطًا بالحياة.
وهذه المفارقة هي من أجمل ما يمكن قراءته في النص: سيناء التي شهدت الحرب تصبح اسمًا للميلاد، والمكان الذي ارتبط بالدم يصبح اسمًا للحب.
ومن هنا يصبح العنوان "الحقيقة والغفران" أكثر عمقًا. فالغفران في القصيدة يمكن قراءته باعتباره انتقالًا من أسر الماضي إلى التصالح معه. البطل لا ينكر تجربته ولا يمحوها، لكنه يعيد صياغتها من خلال ابنه. وكأن الطفل يمنحه فرصة للنظر إلى الماضي بعين مختلفة.
وتتجلى المفارقة بصورة أكثر وضوحًا في قوله "لم أبك يومًا أبدًا
فأنا صلب لا يعرف الهوان"
هذه العبارة تقدم لنا صورة الرجل الذي تشكلت شخصيته في بيئة البطولة والمواجهة. البكاء بالنسبة إليه كان نقيضًا للصورة التي صنعها عن نفسه: رجل صلب، مقاتل، لا يعرف الهوان.
لكن ظهور الابن يهدم هذه القاعدة الداخلية "رأيتك ولدي ورأيت هواني
بين كفى الميزان"
إنها ليست هزيمة بالمعنى السلبي، وإنما هزيمة القسوة أمام الحب. فالأب الذي لم تستطع الحرب أن تجعله يبكي، استطاع ابنه أن يعيد إليه دموعه.
وهنا تأتي واحدة من أكثر العبارات إنسانية في القصيدة "من أين لك كل هذا العشق
يا من وهبتني دموعي"
فالابن لا يمنح الأب الحب فقط؛ إنه يعيد إليه جزءًا من إنسانيته. لقد سلبت الحرب من الرجل قدرًا من حساسيته العاطفية، فجاء الطفل ليستردها. ولذلك تصبح الدموع في النص ليست علامة ضعف، وإنما علامة عودة الروح.
ويبلغ هذا المعنى ذروته في الخاتمة "ويوم ميلادك ولدي
يوم بعثي
يوم
عرفت فيه أخيرًا
أني بك صرت
إنسان"
هذه النهاية هي المفتاح الحقيقي للقصيدة كلها. فهناك ميلادان متزامنان: ميلاد الابن، وميلاد الأب من جديد. الطفل يولد جسديًا، لكن الأب يولد إنسانيًا. ولذلك يستخدم حافظ كلمة"بعثي"، وهي كلمة ذات حمولة روحية عميقة؛ فكما أن البعث يعني الخروج من الموت إلى الحياة، فإن ميلاد الابن يخرج الأب من موت عاطفي ونفسي إلى حياة جديدة.
إن أجمل ما في "سينا" أن حافظ لا يكتب عن بطل حرب فحسب، بل يعيد اكتشاف الإنسان الموجود خلف البطل. فالرجل الذي واجه الموت في سيناء، وحمل في ذاكرته الرمل والدمار والشهادة، يجد في النهاية أن أعظم انتصار لم يكن في مواجهة العدو، وإنما في قدرته على أن يستعيد دموعه.
وهكذا تتحول "سينا" من أرضٍ شهدت البطولة إلى ابنٍ يحمل اسمها، ومن ذكرى الحرب إلى وعد بالحياة، ومن الماضي إلى المستقبل. وإذا كانت سيناء قد صنعت في الأب ذاكرة المقاتل، فإن "سينا" الابن يصنع فيه شيئًا آخر أكثر حميمية: ذاكرة الأب والإنسان.
ولعل أصدق ما يمكن أن تختصر به القصيدة رحلتها كلها هو سطرها الأخير"أني بك صرت إنسان".
ففي هذا السطر لا يولد الابن وحده؛ يولد الأب من جديد.


0 تعليقات