محمد أنور السادات
الرجل الذي ظل خارج دائرة الضوء حتى أصبح هو الضوء
بقلم خالد البنا
في التاريخ السياسي شخصيات تصنع الأحداث، وشخصيات تصنعها الأحداث، وشخصيات ثالثة تبدو، في لحظة ما، وكأنها تسير بجوار التاريخ لا في قلبه، ثم إذا بالتاريخ نفسه يفتح لها بابه فجأة.
وكان محمد أنور السادات من هذا النوع الثالث.
ولعل أغرب ما في مسيرته السياسية أن الرجل لم يكن، في معظم مراحل الصراع السياسي المصري منذ الأربعينيات وحتى وفاة جمال عبد الناصر، هو الرجل الأقوى، ولا الرجل الأكثر حضورًا، ولا صاحب التنظيم الأكثر نفوذًا.
ومع ذلك، فقد كان هو الذي بقي.
بقي حين سقط آخرون.
وبقي حين اختفى آخرون.
وبقي حين دخل آخرون السجون.
ثم بقي أخيرًا ليجد نفسه في قمة السلطة.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر السير السياسية المصرية إثارة للتأمل.
1
أمين عثمان... أول امتحان
كان الطريق إلى السلطة قد بدأ بالنسبة إلى السادات من طريق شديد الوعورة.
في يناير 1946 اغتيل أمين عثمان، وزير المالية السابق والشخصية المعروفة بقربها من البريطانيين. واتُهم السادات بالمشاركة في القضية، وألقي القبض عليه، وظل في السجن حتى حصل على البراءة عام 1948. وتؤكد السيرة الرسمية للرئاسة المصرية واقعة اتهامه ثم براءته وعودته إلى الجيش عام 1950.
كان يمكن لهذه القضية أن تنهي مستقبل ضابط شاب.
لكنها لم تفعل.
وهذه أول مفارقة في قصة السادات:
الرجل الذي كان يمكن أن تنتهي حياته السياسية في زنزانة، خرج من الزنزانة ليعود إلى الجيش، ثم يدخل تنظيم الضباط الأحرار، ثم يصبح أحد وجوه الثورة.
لم تكن البراءة مجرد خروج من السجن؛ كانت، في الحساب السياسي، استردادًا للمستقبل.
2
ليلة 23 يوليو... الرجل الذي كان في السينما
ثم جاءت ليلة 23 يوليو 1952.
كانت مصر على موعد مع واحدة من أكبر التحولات في تاريخها الحديث.
تحرك الضباط الأحرار.
تحركت وحدات الجيش.
احتُلت المنشآت الحيوية.
وأصبح السؤال هو..أين كان كل رجل من رجال التنظيم
هنا ظهرت الرواية المثيرة عن السادات، وهي أنه كان في السينما ليلة التحرك.
والرواية، حتى لو صح أصلها، لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها دليلًا على عدم أهمية السادات في الثورة؛ فقد كان الرجل من الضباط الأحرار، بل إن صوته هو الذي أذاع البيان الأول للثورة صباح 23 يوليو.
لكن المفارقة تبقى قائمة.
فبينما كان التاريخ يُكتب بالسلاح في الخارج، وجد السادات نفسه في صورة الرجل الذي لم يكن في مركز الحركة العسكرية الأولى.
ثم، بعد ساعات قليلة، أصبح أحد الأصوات التي أعلنت ميلاد النظام الجديد.
وكأن الرجل كان يعرف، بصورة غريبة، كيف يبقى قريبًا من الحدث دون أن يصبح أول ضحاياه.
3
أزمة مارس 1954... حين كان الصراع على السلطة
جاءت أزمة مارس 1954 لتكشف طبيعة النظام الجديد.
لم تكن القضية مجرد خلاف شخصي بين جمال عبد الناصر ومحمد نجيب.
كانت في جوهرها سؤالًا عن مستقبل النظام
هل تعود الحياة البرلمانية والحزبية؟
هل تستمر الثورة باعتبارها حركة انتقالية
أم تتحول الثورة إلى نظام سياسي جديد له قواعده الخاصة
وفي قلب الصراع ظهر رجال كبار: عبد الناصر، نجيب، خالد محيي الدين، عبد الحكيم عامر، وغيرهم.
أما السادات فلم يكن من الأسماء الأولى التي ارتبطت بصورة الصراع.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص شخصيته السياسية
لم يكن يسارع دائمًا إلى احتلال الصف الأول في اللحظة التي يشتد فيها الصراع.
وكانت هذه الخاصية ستصبح، فيما بعد، واحدة من مصادر قوته.
فالسياسة لا تعطي المكافأة دائمًا للأكثر صخبًا.
أحيانًا تعطيها لمن يبقى واقفًا عندما يسقط الصاخبون.
4
من الثورة إلى الصحافة... الابتعاد الذي لم يكن ابتعادًا
دخل السادات بعد الثورة في أدوار سياسية وإعلامية مختلفة، ومنها رئاسة تحرير الجمهورية ثم تولى مواقع سياسية وبرلمانية.
وهنا قد يبدو لأول وهلة أن الرجل ابتعد عن قلب السلطة.
لكن الابتعاد لم يكن بالضرورة خروجًا.
كان نوعًا آخر من البقاء.
لقد عرف السادات مبكرًا أن السلطة ليست دائمًا في البندقية.
أحيانًا تكون في الصحيفة.
وأحيانًا تكون في البرلمان.
وأحيانًا تكون في معرفة ما يفكر فيه الرجل الموجود فوقك.
وفي هذه المرحلة كان عبد الناصر يصعد إلى القمة.
أما السادات فكان يقترب من الرجل الذي سيصبح لاحقًا رئيسًا للجمهورية.
الرجل الذي وثق فيه عبد الناصر
هذه هي العقدة الكبرى في شخصية السادات.
5
لماذا وثق فيه جمال عبد الناصر
الإجابة ربما تكمن في أن السادات لم يكن منافسًا طبيعيًا لعبد الناصر.
لم يكن صاحب جهاز عسكري مستقل.
لم يكن قائدًا لتيار جماهيري ينافس الرئيس.
ولم يكن، في الوعي السياسي العام، من رجال القوة الذين يخشاهم الرئيس على سلطته.
ولهذا وجد عبد الناصر فيه شيئًا مهمًا للغاية
الرجل الذي يستطيع أن يكون قريبًا دون أن يبدو منافسًا.
وتدرج السادات في مواقع الدولة، ثم أصبح رئيسًا لمجلس الأمة، وفي عام 1969 اختاره عبد الناصر نائبًا لرئيس الجمهورية. وقد ظل قريبًا من الرئيس حتى وفاة عبد الناصر عام 1970.
وهنا بدأت المفارقة الكبرى.
فالرجل الذي لم يكن يبدو في البداية من الرجال الأقوياء أصبح نائب رئيس الجمهورية.
7
1967... سقوط النظام وبقاء الرجل
ثم جاءت كارثة يونيو 1967.
كانت الهزيمة زلزالًا سياسيًا وعسكريًا.
وسقطت هيبة المؤسسة العسكرية.
واستقال عبد الناصر ثم عاد إلى الحكم تحت ضغط الجماهير.
وسقطت أسماء كبيرة من رجال النظام.
لكن السادات ظل موجودًا.
مرة أخرى..يسقط رجال، ويبقى السادات.
ولم يكن معنى ذلك أن السادات كان بعيدًا عن النظام.بل العكس.كان جزءًا منه.
لكنه لم يكن من رموزه العسكرية الأكثر ارتباطًا بالهزيمة، ولم يكن في مقدمة المسؤولين عن إدارة الحرب.
وبالتالي استطاع أن يعبر من تحت أنقاض 1967 دون أن تحمل الهزيمة اسمه كما حملت أسماء آخرين.
8
1970... اللحظة التي لم يتوقعها أحد
ثم مات جمال عبد الناصر.
وهنا ظهرت المفاجأة التي ستغير تاريخ مصر.
كان السادات نائب الرئيس.
فلم يكن وصوله إلى الرئاسة حادثًا دستوريًا بلا مقدمات.
لكن السؤال الحقيقي كان
هل يستطيع هذا الرجل أن يبقى
كان حوله رجال أقوياء.
رجال الثورة...رجال التنظيم...رجال المخابرات.
رجال الاتحاد الاشتراكي....رجال الجيش.
وكان من الطبيعي أن يراه بعضهم رئيسًا انتقاليًا يمكن التحكم فيه.
وهذه ربما كانت أكبر نقطة ضعف ظنها خصومه فيه.وربما كانت أكبر نقطة قوة امتلكها.
9
الرئيس الذي ظنوا أنه ضعيف
في بدايات حكم السادات لم يكن من السهل أن يُنظر إليه باعتباره صاحب مشروع مستقل.
كان البعض يراه امتدادًا لعبد الناصر.
وبعضهم رأى فيه رئيسًا مؤقتًا.
وبعض مراكز القوة ظنت أنها تستطيع التأثير فيه.وهنا وقع الخطأ السياسي الأكبر.
لقد قرأوا الرجل من خلال ماضيه.
ولم يقرأوه من خلال قدرته على الانتظار.
كان السادات قد قضى سنوات طويلة في الصف الثاني.
والرجل الذي يقضي سنوات في الصف الثاني يتعلم شيئًا لا يتعلمه رجل الصف الأول
كيف يرى الجميع دون أن يراه الجميع.
10
مايو 1971... عندما انقلب المشهد
في مايو 1971 دخل السادات في مواجهة حاسمة مع مجموعة من أقوى رجال النظام الناصري، وفي مقدمتهم علي صبري وشعراوي جمعة وسامي شرف وغيرهم.
وقد انتهت الأزمة بخروج هؤلاء من مواقعهم واعتقال عدد منهم ومحاكمتهم.
وتُعرف هذه الأحداث عادة باسم ثورة التصحيح أو الحركة التصحيحية
وهنا حدث ما يشبه انقلاب الصورة.
الرجل الذي ظنوه ضعيفًا أصبح أقوى منهم.
الرجل الذي ظنوه قابلًا للعزل هو الذي عزلهم.
الرجل الذي ظنوا أنه يحتاج إليهم أصبح هو الذي يملك القرار.
ومن هنا يمكن فهم السادات بطريقة مختلفة.
لم يكن وصوله إلى السلطة نهاية مسيرته.
كان بداية ظهور شخصيته الحقيقية.
11
ومن هنا بدأت المفاجأة الإسرائيلية
لكن المفارقة لم تنتهِ في الداخل.
بل بدأت أخطر مراحلها خارج مصر.
كان الإسرائيليون ينظرون إلى السادات، في جانب من الحسابات الاستراتيجية، باعتباره أقل خطورة من عبد الناصر.
وكانت مصر بعد 1967 تبدو دولة منهكة.
الجيش يعيد بناء نفسه.الاقتصاد يعاني.
والاتحاد السوفيتي حاضر بقوة.
وكانت إسرائيل قد خرجت من حرب 1967 وهي ترى نفسها قوة عسكرية لا تُقهر تقريبًا.
لكن السادات كان يفكر بطريقة أخرى.
لم يكن يريد حربًا مفتوحة بلا نهاية.
كان يريد حربًا تحقق هدفًا سياسيًا محددًا.
وكانت هذه نقطة جوهرية في تفكيره.
12
أكتوبر 1973... عندما تحول الضعيف إلى مفاجأة
في السادس من أكتوبر 1973 عبر الجيش المصري قناة السويس، وبدأت حرب ستعيد رسم الحسابات العسكرية والسياسية في المنطقة.
ولم تكن المفاجأة مجرد عبور قناة.
كانت المفاجأة في أن الدولة التي خرجت من هزيمة 1967 استطاعت أن تعيد بناء قوتها وتستخدم عنصر المفاجأة وتحقق نجاحًا عسكريًا في الأيام الأولى من الحرب.
وتؤكد المصادر التاريخية أن الحرب بدأت بهجوم عربي مفاجئ في 6 أكتوبر، وأن القوات المصرية والسورية حققت نجاحات أولية قبل أن تستعيد إسرائيل المبادرة في مراحل لاحقة.
وهنا يجب أن نتوقف أمام رقم.عدد قتلى اسرائيل
الأقرب إلى التقديرات المعتمدة أن عدد القتلى الإسرائيليين كان في حدود 2,600 إلى 2,800، مع آلاف الجرحى والأسرى والخسائر الكبيرة في المعدات. وهذا الرقم يعتبر من أكبر الأرقام التي خسرتها إسرائيل في حروبها
فالمسألة لم تكن في عدد القتلى وحده.
كانت في سقوط صورة الجيش الذي لا يُفاجأ.
13
السادات... مفاجأة التاريخ
هنا نصل إلى جوهر الحكاية.
محمد أنور السادات لم يكن في شبابه أكثر الضباط لمعانًا.
ولم يكن في أزمة مارس 1954 أهم رجال الصراع.
ولم يكن من كبار مراكز القوة في النظام الناصري.
ولم يكن الرجل الذي يتوقع الجميع أن يخلف عبد الناصر.
وحين وصل إلى الرئاسة ظنه بعض خصومه ضعيفًا.
ثم اتضح أنهم أخطأوا في قراءة الرجل.
لقد أخطأوا لأنهم حسبوا قوته بما ظهر منه.
بينما كانت قوته الحقيقية فيما لم يظهر.
لقد أمضى السادات سنوات طويلة وهو يتعلم فنًا سياسيًا نادرًا
أن تنتظر حتى يصبح خصمك مقتنعًا بأنه انتصر عليك...ثم تتحرك.
14
ولكن هل كان السادات مجرد رجل محظوظ
هنا يجب أن يرفض المؤرخ الإجابة السهلة.
فمن السهل أن نقول
لقد كان محظوظًا.
نجا من قضية أمين عثمان.
ونجا من سجن طويل.
وعاد إلى الجيش.
وشارك في الثورة.
وتجاوز صراعاتها.
وأصبح رئيسًا لمجلس الأمة.
ثم نائبًا للرئيس.
ثم رئيسًا للجمهورية.
ثم انتصر في حرب أكتوبر.
لكن تفسير حياته كلها بالحظ ظلم للتاريخ.
فالحظ قد يمنح الإنسان فرصة.
لكنه لا يستطيع أن يصنع وحده كل هذه الفرص المتتابعة.
السادات امتلك قدرة واضحة على التكيف مع التحولات السياسية.
وعرف كيف يتحرك بين العسكر والمدنيين.
وبين الصحافة والسياسة.
وبين عبد الناصر ورجاله.
ثم بين مراكز القوى وخصومها.
وبين الحرب والسلام.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:
كيف كان السادات محظوظًا إلى هذا الحد
بل كيف استطاع السادات في كل مرة أن يحول نجاته إلى فرصة جديدة
الخاتمة: الرجل الذي لم يره أحد قادمًا
ربما كان هذا هو أغرب ما في سيرة أنور السادات.
لقد اعتاد التاريخ المصري أن يلفت الأنظار إلى الرجال الذين يقفون في مقدمة المسرح.
لكن السادات قضى سنوات طويلة بعيدًا نسبيًا عن مركز الضوء.
وعندما جاء دوره، كان الآخرون قد اطمأنوا إليه أكثر مما ينبغي.
وهنا تكمن المفارقة.
الرجل الذي ظنوه ضعيفًا أصبح رئيسًا.
والرجل الذي ظنوا أنهم يستطيعون عزله أصبح هو الذي أطاح بهم.
والرجل الذي ظنه الإسرائيليون أقل خطورة من عبد الناصر أصبح صاحب قرار الحرب التي كسرت صورة إسرائيل التي صنعتها حرب 1967.
ولذلك فإن قراءة السادات لا ينبغي أن تكون قراءة لرجل عاش سلسلة من الصدف.
إنها قراءة لرجل تعلم، طوال ثلاثين عامًا تقريبًا، كيف يعيش في الظل.
ثم خرج من الظل في اللحظة التي لم يكن أحد ينتظر فيها خروجه.
وهنا يصبح عنوان قصته السياسية:
الرجل الذي ظل خارج دائرة الضوء... حتى أصبح هو الضوء.
وذلك، في تقديري، هو المدخل الحقيقي لفهم أنور السادات...ليس باعتباره مجرد بطل حرب، ولا مجرد رجل سلام، ولا مجرد وريث لعبد الناصر، وإنما باعتباره واحدة من أكثر الشخصيات السياسية المصرية قدرة على مفاجأة خصومها.



0 تعليقات