بين الومضة والجنون
بقلم أشرف ماهر ضلع مصر
حينما يتحوّل الجنون إلى حالة شعرية، والنبض إلى ومضة تضيء أشواك الحياة، نكون أمام نص يتجاوز الشعر إلى تخوم الوجد، وأمام شاعرٍ لا يكتب القصيدة بل يبوح بها كاعتراف متأخر لحقيقة اكتشفها متأخرًا: "أنه أحب".
قصيدة ومضة مجنون للشاعر محي الدين محمود حافظ هي سفرٌ وجداني عاصف، ينطلق من السؤال "من تكون؟" ليقودنا إلى رحلة شعورية من التوهان، فالدهشة، فالحب، ثم الفقد الموجِع. الشاعر ينسج على منوال الغموض الصوفي حين يخلط بين "الحور العين" و"الجنّية" و"الظنون"، وكأن المعشوقة في مقامٍ لا تحدّه الأرض، ولا تحصره الصور.
لغة القصيدة طافحة بالعاطفة، مليئة بالرموز: البحر، الطيف، العين، الخط الأبيض بين البحر والسماء. كلّها إشارات تحيل إلى التطهّر والبعث والانبعاث، ثم الانكسار العميق عند لحظة الغياب. وكأن الشاعر يقول: لا خلاص من الألم إلا بالحب، ولا خلاص من الحب إلا بالفقد.
المفارقة أن المتكلم "قاتل"، لكنه يخشى يدها، يحبها ويكرهها، يطاوعها ويزهد بعدها في البشر. نحن أمام صوتٍ ممزق داخليًا، بين سطوة المهنة ووحشية القدر ورقّة القلب الذي "ألانت الحديد"، وجعل من "القلب كنانة" لحبٍ لا يُقاوم.
أما نهاية القصيدة فهي ذروة مأساوية فلسفية: حيث يكتشف أن القدر لم يهزمه، بل ربّاه على الاحتمال، ثم جرّده من القدرة ذاتها، وتركه يواجه سؤالًا بلا جواب: "لِمَ رحلت؟"
لكن القصيدة لا تختم بالسقوط، بل بالهمس الأخير:
"كن سندًا لنفسك.. اتكئ على بعضك.. وقم."
إنها ليست فقط قصيدة عن الحب والفقد، بل عن النهوض أيضًا. عن الخروج من رماد القلب إلى دفء الصوت الذي يعرف طريق العودة رغم الغياب.
ختامًا:
ومضة مجنون ليست ومضة واحدة، بل ومضات متتابعة من شعور متخم بالحب، والخيبة، والتطهر، والانبعاث، كتبها شاعرٌ يعرف كيف يحوّل الجنون إلى قصيدة، والقصيدة إلى اعتراف نقيّ لا يُنسى.


0 تعليقات