هيفاء البريجاوي تكتب على أكتاف غيم أجنحة السلام سوريا 🇸🇾

 

على أكتاف غيم أجنحة السلام




كتب التاريخ حكايته 


مدينة السلام والرحمة


أيُّ زمنٍ هذا الذي نعيشُه؟ 


عالمٌ يخلط أوراق الإنسانية بوابلِ الانخراط المحمومٍ نحو دمارٍ يصنعه بيديه، وبذاتِ التكنولوجيا التي وُلدت لتُيسِّر الحياة فإذا بها تُسرِّع الفناء. 


نُشيِّدُ جسور الاتصال فنقطع خيوط الرحمة، نفتح أبواب المعرفة ونغلق أبواب الحكمة، نُراكم القوة ونُهدر المعنى. 


صار التقدّمُ أرقامًا تتصاعد، بينما القيمُ تتراجع بصمتٍ موجع.


في هذا الاضطراب الكوني، لم يختلّ الميزان خارجنا فحسب، بل اختلّ في داخلنا. 


نرى العالم ساحةَ تنازعٍ على البقاء، وننسى أن البقاء الحقّ لا يكون بإقصاء الآخر بل بإحياء الإنسان فينا. 


إنها لحظةُ مساءلةٍ كبرى: ما قيمةُ المعرفة إن لم تشبع بالرحمة؟ 



وما جدوى التقنية إن لم تُضبط بالعدل؟ 


وما معنى القوة إن لم تحرسها المسؤولية؟ 


إن خطاب السماء لأهل الأرض ليوقظ الضمير؛ لا ليمنحنا سلاحًا، بل ليمنحنا ميزانًا.


إن الرسالة التي تعبر الزمان ليست صرخةَ خوفٍ من النهاية، بل دعوةً للعودة إلى الجوهر. 


أن نُعيد ترتيب أولوياتنا، فنقدّم الإنسان على الآلة، والقيمة على المصلحة، والرحمة على الغلبة. 


ليس المطلوب أن نُطفئ نور التكنولوجيا، بل أن نُعيد توجيهه ليخدم الحياة لا ليهددها؛ أن نجعل من التقدّم سلّمًا للارتقاء الأخلاقي، لا منحدرًا إلى هاوية الصراع.


إن خطاب السماء لا يفرض قسرًا، بل يُلهم اختيارًا. 


يذكّرنا أن العالم أمانة، وأن الزمن فرصة، وأن اختلافنا سُنّةٌ للتعارف لا ذريعةٌ للتناحر. 


فإذا استيقظ الضمير، هدأت الفوضى؛ 


وإذا نضج الوعي، انحسر الدمار؛ وإذا عادت الرحمة إلى موقعها من القرار، عاد الإنسان إلى موقعه من الاستخلاف.


فلنكتب جوابنا بأفعالنا لا بشعاراتنا. 


لنُثبت أن أهل الأرض قادرون على أن يكونوا أهلَ قيمٍ لا أهلَ صراع. 


عندها فقط، يتحول مسار العالم من سباقٍ إلى الفناء إلى مسيرٍ نحو الحياة، ويصير خطاب السماء فينا واقعًا يُرى، لا كلمات تردد بلا معنى .بل ثوابت وجود ومسؤلية ووعي .


لسنا صفحةً عابرة في كتاب الزمن، ولا حطامَ حضارةٍ تنتظر أن يطويها الغبار. 


نحن شهودُ هذه اللحظة ومسؤولوها، بين أيدينا أن نُعيد المعنى إلى القوة، وأن نُعيد الرحمة إلى القرار، وأن نجعل من اختلافنا طاقةَ بناءٍ لا وقودَ احتراق.


إن التاريخ لا يُكتب بالحروب وحدها، بل يُكتب حين يختار الإنسان أن يسمو على جراحه، وأن يحوّل معرفته إلى حكمة، وتقنيته إلى أداة حياة، وإيمانه إلى عدلٍ يمشي على الأرض.


فلا نكون أمّةً تُرمى في فناء التاريخ، بل أمّةً تكتب التاريخ.


لسنا بحاجة إلى خريطة كي نفهم حالنا؛ 


يكفينا أن ننظر إلى مرآة أرواحنا. 


هناك،في العمق، تقوم مدينةٌ اسمها القدس، ليست حجارةً وأسوارًا فحسب، بل رمزًا مكثّفًا لما نحن عليه: قداسةٌ مجروحة، وذاكرةٌ مثقلة، وأملٌ لا يموت. 


حين نقول إن القدس رمز حالنا، فنحن لا نتحدث عن مكانٍ بقدر ما نتحدث عن إنسانٍ تاه بين الألم والاقتتال، بين الإيمان والخوف، بين الحقّ والرغبة في الغلبة.


إن اقتتالنا اليوم ليس حادثًا عابرًا، 


بل صورة مكبّرة لكونٍ يتصارع على الوجود. 


عالمٌ يتسع تقنيًا ويضيق أخلاقيًا، تتقاطع فيه المصالح أكثر مما تتلاقى القلوب. 


تتنازع الأمم كما تتنازع الأفكار داخل النفس الواحدة. 


وكلما فقد الإنسان بوصلة الرحمة، اتسع الشرخ بينه وبين أخيه، حتى يغدو الخلاف قدرًا، ويصير السلاح لغة.


غير أن الرسالة الأعمق رسالتنا لذواتنا، ورسائل الله لأهل الأرض لا تدعونا إلى الهروب من الواقع، بل إلى قراءته قراءةً إيمانية واعية. 


القراءة الإيمانية ليست تبريرًا للألم، ولا استسلامًا للظلم، بل هي إدراكٌ أن الأحداث امتحانٌ للوعي قبل أن تكون صراعًا على الأرض. 


هي دعوةٌ إلى أن نرى في كل أزمة فرصةً لإعادة ترتيب الداخل، قبل أن نعيد ترتيب العالم.


إعادة دوران الزمن إلى هيكلته الأولى لا تعني الرجوع إلى الوراء، بل العودة إلى الأساس: إلى القيم التي قامت عليها إنسانيتنا؛ العدل، الرحمة، الصدق، وحفظ الكرامة.


فالتاريخ ليس خطًا مستقيمًا مفروضًا علينا، بل نتيجة خياراتٍ يومية تتراكم حتى تصنع المصير.


نحتاج اليوم إلى وعيٍ لا ينفعل بكل ريح، ولا يُستدرج بكل خطاب. 


وعيٍ يفرّق بين الغضب المشروع والعداوة العمياء، بين الدفاع عن الحق وتحويله إلى أداة إقصاء. 


نحتاج إلى نضجٍ يعترف بالألم دون أن يورّثه، ويواجه الظلم دون أن يتشبّه به. 


إن الإيمان الحقّ لا يبرر الكراهية، بل يهذبها؛ لا يطلق اليد في الانتقام، بل يقيدها بميزان العدل.


القدس كرمز تسألنا: هل نريد أن نكون ساحة صراعٍ دائم، أم جسر لقاء؟ هل سنجعل اختلافنا سببًا للفناء، أم دافعًا للتكامل؟ 


إن الضمير الإنساني، حين يُستيقظ، يدرك أن الوجود ليس معركة صفرية؛ فبقاء أحدنا لا يستلزم زوال الآخر. 


إنما تزدهر الحياة حين تُدار بالخلاف المسؤول، لا بالاقتتال.


رسالتنا اليوم لأنفسنا أن نبدأ من الداخل: أن نُصلح لغتنا قبل سيوفنا، ونُهذّب نوايانا قبل شعاراتنا، وأن نُدرك أن كل كلمةٍ قاسية تُضيف حجرًا إلى جدار القطيعة، وكل كلمة رحيمة تفتح نافذةً للضوء. 


فالعالم يتغير حين يتغير الإنسان، والكون يتسع حين يتسع القلب.


قد يبدو حالنا مزريًا، لكن التاريخ يشهد أن الأمم التي راجعت ذاتها بصدق استطاعت أن تعيد صياغة مصيرها. 


لا بمعجزةٍ تهبط من السماء، بل بوعيٍ يرتفع من الأرض. 


فالسماء ترسل الرسائل، لكن الإنسان هو من يكتب الجواب.


فلنجعل من القدس فينا بوصلةً لا رايةَ نزاع؛ من الألم حكمةً لا حقدًا؛ ومن الإيمان عملًا لا ادّعاء. 


عندها فقط، لا يعود الكون ساحة صراعٍ للوجود، 


بل فضاءً للتعارف والتكامل. وعندها، يستعيد الزمن هيكلته الأولى في قلوبٍ تعلّمت أن الرحمة هي القوة الأعمق، وأن الضمير إذا استيقظ ، تغير العالم .


أصبح ملاذا لإحياء الإنسانية .


فلنُوسِّع في صدورنا منافذَ للنور، لا مساربَ للنار.


ليكن اتساعُ قلوبنا رحمةً تُداوي، 


لا لهبًا يحرق كتبَ الوجع دون أن يقرأها، أو يطويها دون أن يُضمِّدها.


فالألمُ لا يُشفى بإحراق صفحاته، بل بفهمها، ولا يُمحى بالصراخ، بل يُهذَّب بالوعي.


لتكن قلوبنا أكثر اتساعًا للنور… لا للنار .


افتحوا للنور أبواب القلوب، ودَعوا النارَ تنطفئ في مهدها؛ فالوجعُ لا يحتاج إلى محرقةٍ تُنكره، بل إلى صدرٍ يحتضنه حتى يتحول من جرحٍ نازفٍ إلى حكمة منيرة .


وبين ضجيج القوة واضطراب المصالح، 


لا نجاة لنا إلا إذا أمسكنا بوصلة الحكمة والرحمة؛


حكمةٌ تُبصِّرنا قبل أن نخطو، ورحمةٌ تُطهِّر نوايانا قبل أن نحكم.


فإذا اختلّت إحداهما ضللنا، وإذا اجتمعتا استقام الطريق.


فلتكن بوصلةُ أيامنا الحكمةَ والرحمة، لا الغضبَ والانتقام؛


بهما ننجو من التيه، وبهما نكتب تاريخًا يليق بالإنسان.


الكاتبة السورية 


هيفاء البريجاوي




إرسال تعليق

0 تعليقات