القائمة
حين يصبح الإنسان أهم من البنود… وأغلى من الأثاث
في زمنٍ أصبح فيه الزواج معركة أرقام، ومزادًا تُلوَّح فيه الشبكة والمهر والقائمة كأنها صكوك ملكية لا عقود مودة، وجدتُ نفسي يوم خِطبتي أمام مشهد مختلف تمامًا.
دخل أخي—حاملًا ثِقل الأب الراحل على كتفيه—وسألني بقلق المحب المسؤول:
«كم نطلب شبكة؟ ماذا نكتب في القائمة؟ ما الذي يليق بكِ؟»
أسئلةٌ مشروعة… لكنها لم تلمس جوهر ما يؤمن به قلبي.
فقلتُ بهدوء امرأة تعرف أن قيمتها ليست في أثاث يُنقل بل في روح تُصان:
«لا أريد سوى دبلة ومحبس… والمهر حسب استطاعته.
أنا أتزوج رجلًا… لا خزنة.»
ظلّ يسأل عن القائمة، عن البنود، عن الورقة التي يراها كثيرون درعًا وسيفًا وملاذًا من غدر الأيام.
فقلت له:
«إن كنتُ أثمن عنده من ورقة، فلن يحتاج إلى توقيع. وإن لم أكن… فلن تنفعني ألف قائمة.»
فكتبنا قائمة رمزية، تكفي لإبراء الذمة… لا لكسر إنسان.
ثم تزوجتُ.
وبعد الزواج، جلس زوجي يومًا، فتح دفتر الشيكات، وكتب لي ما يعادل مئة ألف جنيه شبكة، ونصف مليون مهرًا، ثم قال وهو يدفع الأوراق نحوي:
«هذا حقّك… وأنتِ تستحقين أكثر.»
ومضت الأيام، ووقع بيننا خلاف عابر. فابتسم مازحًا:
«إنتِ معاكِ حقوقك… القائمة والشيكات.»
دخلت غرفتي بلا غضب، أحضرت الأوراق، مزّقتها أمامه، ووضعت القصاصات بين يديه.
وقلت:
«هذه ضماناتك أنت… أما أنا فحقي الوحيد أن أعود لبيت أبي إن ظُلمت.»
نظر إليّ طويلًا… وقال بصوتٍ يرتجف:
«إنتِ مش ورق… إنتِ عندي بالدنيا كلها.»
تلك اللحظة كانت أغلى قائمة…
قائمة احترام، قائمة إنصاف، قائمة رجل يعرف أن المرأة تُصان بالقلب لا بالبند.
لكن… أين ذهبت تلك الروح اليوم؟
أرى بيوتًا تتهاوى بسبب ورقة…
وزيجاتٍ تتحول إلى ساحات قتال…
ومحاكم تحكم لا على العدل، بل على النص المكتوب.
أعرف زوجة رفعت قضية تبديد على زوجها وهي تعيش معه في نفس البيت، لم تُخرَج قطعة أثاث من مكانها، ومع ذلك طالبت بقيمة قائمة لا يعادلها ما تملكه يدها، فقط لأنها أرادت أن تربح… لا أن تُنصف.
وأخرى حرمت زوجها من أطفاله، أغلقت باب الرؤية، وجعلت الأطفال ورقة ضغط، لا ثمرة رحمة.
هل هذه هي القائمة التي أرادها القانون؟
لا.
هذا ظلم يتستّر خلف توقيع.
رجالٌ يوقّعون على قوائم بمبالغ فلكية حبًّا، شهامةً، مراعاةً…
ثم يُحاسَبون عليها يوم تغيب النية الطيبة، لا يوم يغيب العدل.
القائمة التي وُضعت لحماية النساء، أصبحت—أحيانًا—أداة لإيذاء الرجال.
والقانون الذي خُلق لإنصاف الطرف الضعيف، صار يُستعمل لكسر الطرف الصادق.
لهذا…
نحن لا نحتاج إلى قائمة أثاث.
نحتاج إلى قائمة ضمير.
قائمة نية طيبة.
قائمة إنصاف.
قائمة تحفظ الرجل كما تحفظ المرأة.
قائمة تضمن أن البيوت تُبنى بالمحبة… لا بالتوقيعات.
آن لنا أن نعيد تعريف الزواج:
ليس وثيقة… بل واحة.
ليس ضمانًا… بل طمأنينة.
ليس سجلاً… بل قلبين يبنيان وطنًا صغيرًا اسمه بيت.
وعندما تُستبدل الثقة بالحذر، والمحبة بالمساومة…
ينهار ما لا يستطيع أي قانون أن يحميه.
فالزواج قيمٌ تُزرَع…
لا بنودٌ تُكتَب.
الشاعرة


0 تعليقات