سقوط المادة 10: كيف انسلخ الخليج من خندق الدفاع العربي إلى ثكنة للقواعد الأجنبية؟
قراءة تاريخية سياسية في معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي
بقلم: الأديب المفكر د كامل عبد القوي النحاس
في السابع عشر من يونيو عام 1950، وُقِّعت في مصر معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي،
في لحظة تاريخية فارقة أعقبت صدمة نكبة فلسطين سنة 1948.
حينها أدرك العرب أن الأمن القومي لا يمكن أن يبقى مسؤولية قطرية متفرقة، بل يجب أن يتحول إلى منظومة دفاع جماعي تحمي المجال العربي من التدخلات الخارجية وتمنحه استقلال قراره السياسي والعسكري.
المادة العاشرة من معاهدة الدفاع المشترك، لم تُخلق لتكون حبرًا على ورق،
بل لضمان ألا تتحول دول الخليج إلى ثكنة للقواعد الأجنبية، وهو ما تحقق للأسف بعد عقود.
المعاهدة قامت على مبدأ واضح: الأمن القومي العربي وحدة لا تتجزأ، والاعتداء على أي دولة عربية اعتداء على الجميع، والدفاع عنها واجب مشترك يفرضه الانتماء قبل السياسة.
لكن المسافة بين النصوص والواقع ظلت واسعة، حتى بدا وكأن المعاهدة التي كُتبت لتؤسس استقلالًا استراتيجيًا عربيًا
تحولت إلى وثيقة تاريخية أكثر منها إطارًا عمليًا للأمن المشترك.
زمن البناء… مصر سند الخليج
عند توقيع المعاهدة لم تكن دول الخليج قد دخلت بعد عصر الوفرة النفطية.
كانت في طور بناء مؤسساتها الحديثة، واعتمادها كبير على الخبرات العربية، وفي مقدمتها المصرية.
أسهم المعلمون المصريون في تأسيس المدارس الحديثة.
شارك الأطباء المصريون في بناء النظم الصحية.
تولى المهندسون المصريون تخطيط المدن والبنية التحتية في العواصم الخليجية الناشئة.
المؤسسات العسكرية المصرية قامت بتدريب الضباط وتأهيل النواة الأولى للجيوش الخليجية.
جانب كبير من هذا الدعم كان منحًا وخبرات مجانية قبل أن تعرف المنطقة لغة الدولارات.
مصر لم تتعامل مع الخليج يومًا كمجال نفوذ أو تبعية، بل باعتباره امتدادًا طبيعيًا للأمن العربي المشترك.
الدفاع العربي المشترك
(المادتان 1 و2)
المادة 1: أي اعتداء مسلح على أي دولة عربية أو قواتها هو اعتداء على جميع الدول الأعضاء.
المادة 2: الالتزام بالتشاور الفوري واتخاذ التدابير اللازمة، بما في ذلك استخدام القوة، لدفع العدوان.
الهدف: إنشاء منظومة ردع عربية تجعل أي اعتداء مخاطرة إقليمية كبرى.
مؤسسات الدفاع العربي (المواد 3 و4)
المادة 3: إنشاء مجلس الدفاع المشترك يضم وزراء الدفاع والخارجية لتنسيق السياسات الدفاعية المشتركة.
المادة 4: إنشاء اللجنة العسكرية الدائمة لإعداد الخطط العسكرية وتنسيقها بين الجيوش العربية.
هدفها: بناء منظومة دفاع عربية مستقلة، دون الحاجة للارتهان للقوى الأجنبية.
إعداد الجيوش العربية وتنسيق القدرات (المواد 5 و6 و7)
المواد الخامسة والسادسة والسابعة نصت على التعاون بين الدول العربية في تنظيم الجيوش، تبادل الخبرات العسكرية، وتنسيق التدريب والتسليح.
المقصود:
تحويل الجيوش العربية تدريجيًا إلى قوة متكاملة قادرة على العمل المشترك عند الضرورة.
لكن المشروع ظل في كثير من مراحله إطارًا تنسيقيًا أكثر منه منظومة عسكرية موحدة.
الاقتصاد سند الدفاع (المواد 8 و9)
المواد الثامنة والتاسعة أكدت ضرورة التعاون الاقتصادي بين الدول العربية كركيزة للأمن الجماعي.
المفارقة: بينما ترفل العواصم الخليجية في وفرة مالية هائلة، تضن على مصر بما يفك وثاقها الاقتصادي، في وقت أُهدرت فيه مئات المليارات كجزية وصفقات للقوى الدولية، مخالفًا روح المواد 8 و9.
المادة العاشرة… روح الاستقلال الاستراتيجي
المادة العاشرة نصت على أنه لا يجوز لأي دولة أن تعقد اتفاقات دولية تتعارض مع أحكام المعاهدة أو أهدافها، لحماية استقلال القرار الأمني العربي ومنع إدخال القوى الأجنبية إلى المعادلة.
لكن الواقع: الخليج تحول إلى ثكنة للقواعد الأجنبية، وارتفع الاعتماد على الحماية الأمريكية والإسرائيلية،
وهو نقض صارخ لروح المادة.
الوفرة المالية والتحالفات الدولية
تسببت عوائد الطاقة في ضخامة مالية لبعض دول الخليج،
وقد أشار ترامب إلى أنه حصل خلال ساعات على تريليونات الدولارات من ثلاث دول خليجية، لترتقي العلاقة من مجرد حماية إلى شبه جزية، بما يضع استقلال القرار العربي في مهب الريح.
زعزعة الأمن المصري… الإمارات وإسرائيل
سعت بعض القوى الخليجية، وعلى رأسها الإمارات بالتعاون مع إسرائيل، لضرب الأمن المصري عبر:
دعم إثيوبيا في أزمة سد النهضة لضرب الأمن المائي المصري.
دعم ميليشيات حمدتي لتقسيم السودان وتشجيع انفصال أجزاء منه.
التدخل في ليبيا والصومال لتعقيد الاستقرار الإقليمي.
كل ذلك يهدد الأمن القومي المصري واستقراره.
العرض المصري المرفوض…
الاعتماد على الحماية الأمريكية والإسرائيلية
مصر دعت مرارًا لإنشاء قوة عربية مشتركة مستقلة قادرة على حماية الأمن الإقليمي، لكن الدعوات قوبلت بالرفض.
واليوم، يطالبون مصر بالانخراط في حروب بالوكالة وزج جيشها في صراعات خارجية،
في وقت هم أنفسهم لا يتحملون المخاطر المباشرة.
السؤال المركزي:
تحت أي مظلة، وتحت أي قيادة، وتحت أي هدف سيدخل الجيش المصري الحرب؟
هل ليساعد على الإطاحة بالنظام الإيراني والقضاء على قواته المسلحة، إسوة بما تم فى العراق، لتصبح المنطقة طيعة للنفوذ الأمريكى والإسرائيلى دون مقاومة؟
خاتمة حاسمة
في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعثر فيه المبادئ، يبقى التاريخ شاهدًا لا ينام.
الأمن القومي العربي ليس مجرد نصوص أو مواد،
بل هو روح تتجدد في دماء الأجيال وعقل يقرر في اللحظات الحرجة.
كل خطوة تتخذها الدول العربية اليوم، كل قرار دفاعي أو اقتصادي، يُكتب في سجل الأيام ويرسم مستقبل الأمة.
إذا فقد العرب استقلال إرادتهم، فإن قوة الأجنبي ليست حماية، بل قيود تُثقل كاهل الأمة.
الدرس واضح: من يغامر باستقلال مصر وقيادتها، يغامر بأمن كل العرب، ومن يحافظ عليه، يحفظ المستقبل.
وحتى يعيد العرب بناء أمنهم القومي،
يجب أولًا الاعتراف بأن استقلال مصر وقيادتها هو الضمانة الوحيدة للبقاء، وأن أي ارتهان للقوى الأجنبية هو رهان على سراب انهار عند أول اختبار.
لقد ظلت مصر وفية لميثاق 1950 بدمائها وخبراتها، بينما نقضه الآخرون حين استبدلوا الأخ بـ الأجنبي، ليظل الأمن العربي رهينة الحسابات الفردية والتحالفات الخارجية.



.jpg)
0 تعليقات