خالد بلعربي مونودراما: غدٌ أفضل الجزائر 🇩🇿

 

مونودراما

 غدٌ أفضل



(الممثل وحيد على الخشبة، يحدّق في الفراغ، ثم يبدأ بالكلام وكأنه يخاطب نفسه)


«أنا ابن هذا العالم… عالمٌ يرفضني بلونٍ لا يشبههم، بصوتٍ لا يطابقهم، بوجهٍ لا يرضيهم. قالوا لي: مكانك ليس هنا، فصفعوني باسم النظام، وركلوني باسم القانون، وأغلقوا الأبواب في وجهي باسم العدالة.


أدخل دهاليز الإدارات، فأجد الأوراق تتكاثر كالأرانب، والموظف يبتسم ابتسامة باردة: أعد الملف، أعد الطابع، أعد الانتظار… أما ابن فلان فقد عبر بلا طابور، بلا ورق، بلا إذن. المحسوبية هي المفتاح، وأنا بلا مفتاح.


أصرخ في المرآة: لماذا أنا؟ الغضب ينهشني، والانفعال يقتلني، وروح الانتقام تهمس: انتقم… لكن ممن؟ من نفسي؟ من العالم؟ من الظل الذي يلاحقني؟


هربت إلى نفسي، إلى حلم صغير، إلى كلمة كتبتها على جدار مهترئ: أنا موجود. إثبات الذات صار معركة ضد النسيان، ضد التهميش، ضد اللامبالاة التي تقتل أكثر من الرصاص.


ضحكت… ضحكت حتى بكيت. هذا العالم ليس لي، ولا لهم، إنه قفص صنعوه بأيديهم ليحبسوا أنفسهم فيه. وأنا… أنا أريد أن أخرج. أخرج من هذا العالم، لا إلى عالم آخر، بل إلى فراغ، إلى صمت، إلى حرية لا تُكتب ولا تُباع.


تخيل أنني أحب… أحب حتى أذوب، لكنني لا أستطيع أن أبني أسرة. أعمل، أركض، ألهث، لكن البيت صار حلمًا بعيدًا، والزواج صفقة لا يملكها إلا من يبيع روحه للكماليات التي سيطرت على النفوس الضائعة. الحب صار سلعة، وأنا فقير أمام السوق.


أمرض… أبحث عن علاج فلا أجد إلا أبوابًا مغلقة. في المستشفى يقولون: رقمك ألف وستة، انتظر دورك. قد أموت قبل أن يحن الموعد. العلاج الحقيقي في الخاص، باهظ الثمن، كأنه حياة تُشترى بالدولار.


أعيش في بيت، ماؤه لا يصلح للشرب. أشتري الماء كي لا أمرض، أشتري الحياة في قنينة بلاستيكية. أي عبث هذا؟ أن تدفع ثمن الهواء والماء، وتظل مهددًا بالمرض؟


تخيل أن ابني يجلس في المقعد الأخير، بحجة أنه يرى أكثر من الآخرين. لكنه لا يتعلم، في قسم يفوق الأربعين. التعليم صار ازدحامًا، صار ضجيجًا، صار وهمًا. ربما أنت تضحك، وأنا أبكي.


فاتورة الكهرباء التي أدفعها لهم هي فاتورة عشرة فيلات في بلادي، وعشرين في بلد شقيق، لياليه أنوار وصباح. أنا الضحية، أنا الساخر الذي يضحك على نفسه وهو يحترق بنورٍ أسود لا يضيء.


آه… كان حلمًا. حلمٌ أسود، ثقيل، مليء بالوجوه التي تلاحقني، بالأبواب المغلقة، بالفواتير التي تحرقني، بالحب الذي ضاع، بالمرض الذي قتلني، وبالمدرسة التي نسيت ابني في آخر الصف.


لكنني الآن أستيقظ… أستيقظ لأقول: الغد أفضل. الغد ليس وعدًا من حاكم، ولا فتوى من واعظ، ولا ورقة من موظف. الغد هو أنا… أنا حين أقرر أن أضحك، أن أقاوم، أن أكتب، أن أحب، أن أعيش.


الغد أفضل… لأنه ليس نسخة من الأمس، بل بداية جديدة، حلم آخر… حلم أبيض، حلم حرية.»


 بلعربي خالد

إرسال تعليق

0 تعليقات