الابتلاء مدرسة فأين التلاميذ؟
بقلم الكاتب الصحفي ياسر زينهم
مدير تحرير لموند عربية
حين يريد المولى عز وجل بعبدٍ خيراً ابتلاه
هذه سُنة الله في خلقه لا يحيد عنها نبي ولا ولي
يبتليه ليطهره يختبره ليقربه ويشد عليه ليُري الناس فيه آية من آيات الصبر
وقد أعطانا الله في كتابه الأمثال تلو الأمثال حتى لا يكون لأحد حجة
1 مدرسة الأنبياء الابتلاء طريق الاصطفاء
ابتُلي أيوب عليه السلام بأشد البلاء
ذهب ماله ومات ولده وتهاوى جسده حتى نفر منه القريب قبل الغريب
لكنه ما زاد إلا أن قال
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ الأنبياء 83
فماذا كانت النتيجة؟
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ
الأنبياء 84
رد الله عليه شبابه وصحته وأهله لأن البلاء كان ترقية لا عقوبة
وابتُلي يعقوب عليه السلام
بفقد أحب أبنائه يوسف فابيضت عيناه من الحزن
لكنه أمسك لسانه عن الشكوى للخلق وقال إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
يوسف 86
فكانت العاقبة أن جمع الله شمله بهم في خير حال
وابتُلي يوسف عليه السلام
بالسجن ظلماً وبالفتنة في دينه وبالغربة عن أهله
فصبر فجعل الله له الخروج والتمكين وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ
يوسف 56
حتى موسى كليم الله عليه السلام
حين خطر في نفسه أنه أعلم أهل الأرض أرسل الله له العبد الصالح الخضر
ليتعلم منه
ومع ذلك لم يستطع صبراً
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا الكهف 72
هذا نبي من أولي العزم لم يصبر على علمٍ لم يُحط به خبراً
فما بالنا نحن؟
وحتى حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم
أوذي في نفسه وأهله وماله وشُج وجهه وكُسرت رباعيته فقال
اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون
وكان الابتلاء هو طريق التمكين
والقاعدة الذهبية التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم
إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط
رواه الترمذي وحسنه
2 آفة زماننا كلنا قضاة ولا تلميذ بيننا
المصيبة اليوم أننا حفظنا قصص الأنبياء لكن ما دخلنا مدرستهم
أصبحنا جميعاً حكماء وقضاة وعلماء وضاع من بيننا التلميذ الذي يجلس ليتعلم ويصبر حتى يفهم
أوضح مثال حوادث الانتحار التي فجعت قلوبنا
ما أسهل أن نطلق حكماً كافر وانتهى الأمر
كأن مفاتيح الجنة والنار صارت في جيوبنا
ونسِينا أن المولى عز وجل قال
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ
النساء 48
يعني كل الذنوب دون الشرك هي في مشيئة الله إن شاء عذب وإن شاء غفر
فمن أنت لتحكم على منتحر؟
هل شققت عن قلبه؟
هل تعلم ماذا كان في عقله وقتها؟
لعله فقد صبره لحظة كما لم يستطع موسى الصبر مع الخضر
لعله كان في حالة لا يؤاخذه الله عليها الأمر لله وحده
النبي صلى الله عليه وسلم قال:
من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة
ونحن نفضح ونشهر ونحكم
الله تعالى عاتب نبيه داود حين حكم قبل أن يسمع للطرف الآخر
وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ
ص 24
هذا نبي فتاب لأنه تسرع في الحكم
فماذا نقول نحن؟
3 الستر أولى من الفضيحة والحكم لله وحده
قال صلى الله عليه وسلم
من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله
ونحن صرنا نتتبع العورات وننشر الزلات ونصدر الأحكام وكأننا قضاة نصبنا الله على خلقه
الابتلاء نزل ليعلمنا الصبر والتوبة والرجوع إلى الله والرحمة بالخلق
لكننا حولناه إلى منصة لإصدار الأحكام نردد آيات الصبر ولا نصبر نقرأ قصص الأنبياء ولا نقتدي نحفظ أحاديث الستر ولا نستر
الخلاصة في كبسوله
الله يبتلي ليُربي ونحن نفضح لنهدم
الله يمهل ليتوب العبد ونحن نحكم عليه بالموت وهو حي
الله يستر ليُعطي فرصة ونحن نكشف لنسلب الأمل
فليجلس كل منا مجلس التلميذ من جديد. إذا رأيت مبتلىً فادعُ له لا تحكم عليه
وإذا رأيت عاصياً فاستره وانصحه سراً لا تفضحه جهراً
وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ
الرعد 41
فوالله ما خاب من تأدب بأدب القرآن ولا ضل من مشى على خطى الأنبياء في الصبر والستر والرحمة
اللهم اجعلنا من الصابرين إذا ابتلينا الساترين إذا رأينا الراحمين إذا حكمنا
ولا تجعلنا من الذين يقولون ما لا يفعلون


0 تعليقات