الأرض الثانية
الرمال تغطى كل شئ فيما عدا الغابة والجبل .. بينما البقاع المتحركة في الرمال ما هي الا بوابات يخرج منها حكام الأرض الثانية ( العمالقة ) الذين يخرجون فقط لجلب الطعام المفضل وهو البشر الذين يسكنون الكهوف في الجبل - البشر الذين ليسوا فقط الطعام المفضل للعمالقة بل للكائنات الهجينة كالقناطير وما يشبهها من الكائنات التي لها نصف بشرى في مقدمتها ونصفها الخلفي متغير كالذئاب والأفاعي كل حسب الفصيلة التي ينتمي اليها منهم، ولكن لم يكن فيهم من هو أجمل صورة من ساكنى البحيرة عشيرة الجميلات اصحاب ذيل الاسماك الوحيدات اللاتي يسكن البحيرة وهي المنطقة المحرمة على الجميع وحتى أسياد الأرض الثانية ( العماليق ).
اما عن البشر فهم القوم الذي يصحب عليهم الحصول على الطعام حيث أن طعامهم تلك الثمار التي تنمو داخل الغابة مملكة القناطير اسياد الغابة ... كان خروج البشر من الكهوف محسوب لكونه غاية في الخطورة على حياتهم لذا فقد حددوا موسم واحد من كل عام للخروج والحصول على كل ما يستطيعون جمعه ليكفى لاطعامهم عام الاستكانة والاختباء.
الجميع تحت سماء مختلفة سماء من طبقتين الأولى من النار وهو النهار والثانية من الماء وهذا هو الليل تلك السماء التي تدنو من الجميع بتعاقب الليل والنهار بشكل تدريجي بعمر الأرض الثانية .. تلك السماء التي اقتربت بالفعل مما يعلن اقتراب النهاية .. غير ان الجميع يغفل عن تلك النهاية بانشغالهم في صراع البقاء وفكرة الحصول على المخزون الكافي الذي يضمن استمراره ... عجبا لأقوام تعمل جاهدة على البقاء احياء وتصارع من اجل ذلك البقاء في حين أن النهاية تقترب من الجميع بلا تردد ولا هوادة.
اليوم هو موسم الحصاد للجميع الحركة سريعة داخل الكهوف استعدادا للخروج .. وقف " اشي " شاب قوى وقائد فريق الحصاد زعيم البشر، واجه ساكني الكهوف من الحاصدين وهم الشباب الذين يختارهم بعناية شديدة ويدربهم طوال العام من اجل هذا اليوم ... وقف يلقى كلماته الأخيرة قبل الخروج :
ايها الحاصدون ... اليوم يوم الخروج العظيم... ابقوا أحياء من أجل أن يحيا الجميع ... من يسقط منكم فقد أسقط معه الكثير، قد أسقط قومنا موتى جوعا .. لا تقبلوا ان تكونوا طعاما واطعموا الجوعي .. اخرجوا حاصدون وعودوا ابطالا...
واكمل خطابه في حماس الهب الحاصدين الذين ينتظرهم الكائنات الهجينة في هذه الاثناء بالغابة يشربون نخب يوم الصيد العظيم مشروبهم المعتق الذي لا يقل لذة عن لحوم البشر.
وضع "نيبرو" زعيم القناطير وعائه جانيا محدثا القناطير والاسيدو، والذيبو والجميع ... كان صوته الجهوري قادر ان يصل حتى إلى البحيرة تلك المملكة الخاصة والتي يخشاها الجميع حتى "نيبرو" نفسه .
نحن الهيوجان الأقوى واهل المملكة ... حصاد اليوم حفل المساء . . لتجعلوا من احتفالنا عظيما .. اقسم بقرنين رأسي أن من يأتيني بـ " اشي" لأزوجنه بجميلة من جميلات البحيرة.
نظر الجميع إلى بعضهم البعض وعلى وجوههم دهشة بالغة... فجميلات البحيرة ليسوا في سلطة "نيبرو" مما يعني أنه سوف يقدم على فعل شئ عظيم من اجل اشي" زعيم البشر ولكن كيف سيأتي بإحدى جميلات البحيرة، الجميلات اللاتي استمعن الى كلام "نيبرو" وتعالت ضحكاتهن في مزيج من الزهو بوصفين الجميلات، الجائزة التي تعد من المعجزات والسخرية من نبرة صوت "نيبرو" الواثقة من تحقيق تلك المعجزة.
بدأت الرمال التي تبدو ساكنة في التحرك معلنة اقتراب خروج العماليق الذين يمتلكون فرصتين للصيد ... فرصة رحلة ذهاب البشر إلى الغابة ورحلة العودة كفرصة أخرى على عكس الهيوجان التي تحظى بفرصة واحدة مما يضمن للهيوجان احتفالا يليق بيوم ينتظره الجميع ويضمن للعمالقة عمرا اطول بتناول لحوم البشر ... لم يكن في العمالقة من هو أطول عمرا من "شينا " الزعيم الذي هو موجود من قبل ميلاد اقدمهم عمرا ولا يزال محتفظا بقوته وشبابه من كثرة اكله لحوم البشر ... ففي يوم الحصاد يحصل هو أولا على ما يكفيه ومن بعده القوم .. ودائما يفاجئ الجميع بحصوله على اطفال رضع وأكبر قليلا كهدية يوم الحصاد حيث انه الوحيد المسموح له بمهاجمة الكهوف وحتى وان كانت في حقيقة الأمر منيعة ومحصنة .. لم يعرف أحد بكيفية حصوله على هذا القدر من السنوات الذي يلتهمه في كل موسم حصاد ... مما دفع " سيبي" احد اتباعه المقربين أن يتتبعه خلسة حتى يحصل على ذلك المصدر الذي يضمن له عمرا وقوة بالقدر الذي يحظى به "شينا".
تحت النار التي تغطى الجميع وحرارتها الشديدة فتحت أبواب الكهوف واخر وصايا " اشي" تتردد في اذهان الحاصدين
كونوا دائما في جماعات ... ولا يطلق احدكم العنان لقدماه فتشت به بعيدا منفردا مهما كان الحصاد
لم تكن هذه هي الوصية الوحيدة ولم يكن الحاصدين هم فقط من نصحهم "أشي" فبداخل الكهوف كانت التعليمات حازمة لحراس الكهوف فئة المحاربون المكلفون بحماية العائلات في غياب الحاصدين هؤلاء الحراس الذين تقودهم "فالتا" الحبيبة .. الشابة التي امتلكت قلب "اشي" والتي تنتظر عودة "اشي" لإقامة زفافهما ... كان لكل دوره في الكهوف .. ودور "فالتا" حماية الجميع وخاصة الأطفال ... اليوم لن يحصل "شينا" على طفل ولو كان الثمن حياتها .. أنها المرة الأولى التي تقود فيها حراس الكهوف وقد انصتت جيدا لتعليمات الحبيب القائد . الجميع من الحاصدين يحمل سلاحه " المرآة " السلاح الذي اثبت قدرته على مدار السنوات التي قاد فيها "اشي "
فان العمالقة لا يستطيعون رؤية انفسهم اقزام في المراة ... ولا يستطيع الهيوجان الصمود امام صورتهم الحقيقية ... فالجميع يفر امام المرآة .. انطلق الحاصدون وخرج العمالقة وانتظر الهيوجان .. وترقبت جميلات البحيرة
مع خروج العمالقة دب الخوف في بعض قلوب الحاصدين فليس كل القلوب الشجاعة تظل على شجاعتها في وقت المعركة والخوف نصف الهزيمة والهزيمة تعنى الوقوع في قبضة العمالقة ثم الظلام واللاشئ. كانت المسافة بين الجبل والغابة ساحة معركة فيها يسقط حاصدين فيها يفر عمالقة ... رفع "اشي" مراته" في مواجهة عملاق قطع عليه الطريق إلى الغابة وثبت في بسالة وشجاعة وقبل أن يفر العملاق وعلى غير العادة هجم "أشي" بمجموعته ناشرين الحبال النارية حول اقدام العملاق وللمرة الأولى التي يسقط فيها عملاق ... وكان لسقوطة وقع الصدمة على العمالقة ومع تمدد الحبال النارية على جسد العملاق ... سمع الجميع صراخ عملاق تأكله النار .. عبر "اشي" بمجموعته الى اطراف الغابة وبدأ الحاصدون في إلقاء الحبال النارية وتوالت السقطات وتعالت الصرخات التي لم تعرفها الأرض الثانية من قبل.
بدأ العماليق في محاولة دهس أكبر قدر من الحاصدين غير ان تدريب "اشي " قد أثمر، فقد تفرقت المجموعات بشكل مدروس ثم اخذوا يتجمعوا ملتفين حول اقدام العمالقة حتى بدت الغابة على مقربة .. فاذا بالعمالقة تقفز إلى بواباتها مرة أخرى إلى القاع ... وللمرة الأولى ليس البشر هم من قد خسر الكثير والكثير بالنسبة إلى الأعداد فحسب بل في الكبرياء. عاد العمالقة إلى القاع في انتظار رحلة العودة ولتكن معركة مختلفة ليست من اجل الطعام، بل من اجل استرداد الكبرياء والزعامة التي يبدوا وأنها على مشارف الانهيار.
تتبع " سيبي" "شينا" الذى لم يخرج من البوابات كما هو حال الجميع من العمالقة وانما شق طريقه إلى نفق عبر الصحراء يصل إلى الجبل حيث بوابة تؤدى إلى الكهوف مباشرة ... خرج شينا " متجها ليس إلى الكهوف بل إلى قمة الجبل ومن خلفه "سيبي" متواريا ويراقب عن كثب، حيث بدأ "شينا" في الإنشاد بإسمه بطريقة ممزوجة بصرخات تبدو غاضبة .. لم يدرك " سيبي" المغزى من هذا أو ما هذا الذي يفعله "شينا" .. لكن في الأسفل داخل الكهوف كان "أبدى" يعلم جيدا ما معنى هذا وكان يتحرك غاية في السرعة متجها إلى كهف الأطفال فعلى القمة الآن سيده الذي يضمن له أمنه وأمن عائلته في مقابل طفل أو طفلين في كل موسم للحصاد، ينتظر الآن القربان وعليه أن يسرع قبل أن يغضب ويجتاح الكهوف بحثا عن الجميع وأولهم "أبدى".
وصل "ابدى " إلى كهف الأطفال ... قابله مجموعة من الحراس المكلفون بحماية الكهف وعندما سألوه الى اين يذهب أخبرهم بأنه في حاجة للاطمئنان على طفلته ولأنه من أسياد الكهوف، سمحوا له بالعبور ... لم يمض الكثير من الوقت حتى عاد بطفلين قائلا للحراس بلهجة غاضبة : ان هذان الطفلان من اهل كهفى واعلم جيدا بمرضهما .. كيف سمحتم لانفسكم بابقائهم وسط اطفال العائلة، ماذا اذا انتشرت العدوى؟.
نظر الحراس الى بعضهم البعض في توتر فتابع : انا من سيعزلهم بنفسى .. لتبقوا هنا ولتكونوا على يقظة.
اخذ الطفلين ومضى وهو يدرك جيدا أن طريق هذين الطفلين بلا عودة .. فهما في الصباح كانا مجرد طفلين اما الآن فهما القربان لسيده " شينا" الذي ينتظر على القمة يتابع الإنشاد الغاضب.
اصطفت المجموعات بقيادة " اشي" امام الغابة استعدادا للمعركة الثانية .. بدأت كل مجموعة في التمركز على الأبعاد المتفق عليها مسبقا، حيث أن الترتيب، مجموعة تدخل إلى الغابة وترسل الثمار إلى المجموعة الثانية على اطراف الغابة لجمعها في السلات الطائرة، أما المجموعة الثالثة فهي تقوم بحماية مجموعة السلات في حالة عودة العماليق ناصبين جدارا من المرايا ومن خلفه متأهبون بحبالهم النارية.
وبدأت رحلة الجمع بقيادة "أشي"، من بعيد وقف "نيبرو" يتابع حركة "أشي" الحذرة مع مجموعته وأشار الى القطيع بالاستعداد، وما أن دخل "اشي" إلى منطقة الاشجار وبدأ ومجموعته في الجمع، حتى أشار " نيبرو" إشارة الهجوم ... وبدأت المعركة الثانية
كان كل المطلوب من "اشي" ومجموعته أن يثبتوا الكبسولة التي تفصل الجاذبية عن الثمار، وتتولى الكبسولة توجيه الثمرات إلى السلات الطائرة مباشرة، وتبدأ رحلة العودة للحاصدين.
بينما ينتقل "اشي" والمجموعة بين الأشجار ظهر الهيوجان وبدأوا الهجوم في شراسة حتى أن بعض الحاصدين لم يتثنى له الوقت حتى ان يشهر مراته وسقط البعض .. كان الأهم من الحفاظ على الحياة في هذه المرحلة، هو زراعة أكبر قدر من الكبسولات في التمار.
صرخ "أشي" في رجاله :
إلى قمم الاشجار
وصاح "نيبرو" في قطيعه :
اقتلعوا الاشجار من جذورها
وتوالى سقوط الاشجار وتوالى معه قفزات الحاصدون من شجرة إلى أخرى مع تطاير الثمار إلى السلات .. كان اتجاه الحاصدون إلى خارج الغابة فصرخ "نيبرو" : (اشي)، اريد (اشي)
اتجه الكثير من الهيوجان خلف "أشي" الذي تنبه أنهم يقطعون عليه طريق العودة فعاود قفزاته إلى داخل الغابة ساحبا خلفه العدد الأكبر من القطيع فاتحا الطريق لخروج الحاصدين .
كانت الفكرة جنونية في رأس "أشي" لكنها قد تكون اقل خطرا من نزوله وسط القطيع الذي بدأ البعض منهم يصعد إلى الأشجار، إلا أن المرآة كانت تقوم بعملها، حتى سقطت وبقى "أشي" وحيداً بغير سلاح سوى فكرته المجنونة .
إنها اللجوء إلى البحيرة، وهناك لن يستطع احد من القطيع ان يتبعه .. وعلى الفور وبلا تردد اتجه الى البحيرة متجاهلا المصير الذي سيلاقيه في الأرض المحرمة.
اقترب "ابدى" ومعه الطفلان من فوهة قمة الجبل، حتى انه استطاع أن يرى وجه " شينا " ومن أن رأي الطفلان وجه "شينا" حتى صرخا في رعب محاولان الهروب، الا أن يدى "ابدى" القويتين كانتا أقوى من ضعفهما .. وقف ابدى" مناديا "شينا".
سيدي العظيم، قد اتيت ومعى ما يرضيك عن خادمك المخلص، فلتقبل منى هذه القربي، وليشملني .....
قاطعه صوت "فالتا" قادما من خلفه :
وليشملك بالعار أيها الخائن.
حالة من الهلع انتابت "أبدى" عندما التفت ليجد " فالتا" ومن خلفها حراس الكهوف فنظر إلى اعلى صارخا : سيدي ... لك القربان فاحمني من الموت ...
امتدت يد "شينا" لتقبض على الطفلين تاركة "أبدى" يصرخ في هيستيريا.
انا خادمك المخلص ... لا تتركني لهذا المصير
واخذ يتابع توسلاته في حين قفرت "فالتا" فوق الصخور ثم طارت في الهواء ضاربة بالحبل الناري ليلتف حول معصم "شينا" ، الذي لم يستطع تحمل النار حول معصمه فترك الطفلان والتقطهما الحراس.
وسط ذهول "ابديی" متسمرا في مكانه ... جذب "شينا" يده بشدة متألما .. تحرر الطفلان، غير أن "فالتا" لم تترك الحبل الناري فاصطدم جسدها بالجدران الحجرية وتبع خروج يد "شينا"، خروج "فالتا" هي الأخري .. توالت ضربات "شينا" بغضب فوق قمة الجبل وتساقطت الحجارة الكبيرة داخل الجبل .. انطلق الحراس بالطفلين، الا ان "ابدى" لم تكتب له النجاة، فقد سقط فوقه مجموعة من الحجارة فتحطم جسده قبل أن يلفظ انفاسه الأخيرة وهو يردد : سيدي ... انا خادمك المخلص .. سيدي
لم يلق "ابدى" رضا من سيده سوى ضربات اقوى و غضب اشد ... مات "ابدى" ونجا الطفلان وحراس الكهف وغابت "فالتا" مع يد "شينا" على قمة الجيل.
للمرة الأولى وطأت قدم فوق الأرض المحرمة، كما كانت المرة الأولى التي سقط عملاق أرضا وصرخ، وفي المرتين كانا لنفس الرجل " اشى".. وقع اقدامه دفع جميلات البحيرة إلى الظهور على السطح، ومن مكانه رأى فاتنات البحيرة واحدة تلو الأخرى يخرجن رؤوسهن فوق سطح المياه، ينظرن اليه في تعجب وبدأت أمواج البحيرة في الهياج والتلاطم واختفى الجميع.
بدأ يظهر على الشاطئ عقارب الماء المحرم والتي تتجه ببطئ نحو "اشي"، الذي تبعه القطيع بقيادة "نيبرو" إلى الخط الفاصل بين الغابة والأرض المحرمة في تردد وريبة من العبور خلف "أشي" حتى تحدث أحد الأسيدو إلى " نيبرو ".
ألست وعدت من يأتي بـ "أشي" زوجة من جميلات البحيرة ؟ ... والآن نحن امام البحيرة
اجابه "نيبرو".
وانا لازلت عند الوعد ... ليأتي احدكم به وله جميلة البحيرة.
رد الأسيدو نفسه.
بما انك قادر على احضار احداهن ... فانت الأولى بها ... اذهب انت.
بدأت الأصوات المؤيدة تعلو حتى قاطعها "نيبرو" :
فليكن .. ساحصل اليوم على ما أردت ... ساحصل على "اشي" وليكتمل الحفل الليلة بجميلة من البحيرة.
ودخل بلا تردد إلى الأرض المحرمة التي اختلطت رمالها بعقارب الماء المحرم والتي تقترب من "أشي".
تحرك الجدار العاكس الذي صنعه الحاصدون بمراياهم في رحلة العودة بعد التأكد من تحليق السلات في طريق الجبل وبدأت الرمال الساكنة في التحرك مرة أخرى ... وخرج العمالقة، ولكن في هذه المرة يرتدون دروعا من جلود البشر في مواجهة الحبال النارية، ومعصوبي العيون في مواجهة المرايا ... وبدا أن العمالقة في هذه المرة لا يسعون إلى الحصول على طعام ... بل قتل الجميع بلا رحمة .. وتحرك العمالقة خلف رائحة البشر ... بدأت المعركة في غياب " اشي" الزعيم
"اشي" المحاصر بين العقارب و"ونيبرو" بلا سلاح ولا مكان يلجأ اليه .. كانت نظرة الظفر على وجه "نيبرو" عندما أيقن سقوط " اشي" في يديه، غير مهتم بالعقارب التي انتشرت في انحاء المكان في شكل حلقات حول "أشي" - وهنا نادي "نيبرو" بكل قوته :
يا سيدة البحيرة . وصاحبة العرش وملكة الأرض الأرض المحرمة ... هذا بشرى دخل إلى الأرض المحرمة من الغابة .. وقد وجب محاسبته، لتتركيه لي ... وسيكون عبرة لكل بشرى يفكر في الإقتراب من الغابة أو الأرض المحرمة .
وهنا تحركت العقارب بسرعة شديدة ولكن عائدة من حيث جاءت ... وبدأت تطفو سيدة البحيرة يزينها تاج من قطرات الماء وقطع من نار السماء على عرشها الذي يطفو فوق الماء ... فقط نظرت في صمت ... لم ينتظر "نيبرو"، فقد انطلق في اتجاه "أشي" الذي انطلق بدوره في اتجاه "نيبرو" بشكل مفاجئ حتى لـ "نيبرو" نفسه . ولم تتوقعه السيدة الملكة.
انطلق في شجاعة وصلت إلى درجة التهور ... قفز "اشي" متمسكا بقرني " نيبرو" مستقرا على ظهره وكانه يمتطى خيلا جامحا يسعى الى ترويضه وسط غضب وهياج "نيبرو" الذي حاول بكل الطرق الممكنة اسقاط "أشي" الا ان " أشي" لم يكن بشريا عاديا ... بل هو قائد الحاصدون في عالم تحكمه العماليق وتسوده الهيوجان .. ولديه من الشجاعة ما يكفى لكى يصارع قائد الهيوجان فوق الأرض المحرمة.
ظهرت جميلات البحيرة تتابع هذا المشهد المهيب لبشرى على ظهر قنطور في صراع مميت، في هذه اللحظة انصرف نظر "اشي" للمحة مجرد لمحة ... رأى فيها جميلات البحيرة ... هذه اللمحة كانت كفيلة بأن يضرب "نيبرو" وجه "أشي" بقوة بيده .. وقبل أن يسقط "اشي" على الأرض ضربه "نيبرو" ضربة أقوى بقدميه الخلفيتين اطاحت بجسد "اشي " إلى ماء البحيرة، فتهافتت عليه جميلات البحيرة، آخذين جسده إلى القاع ... وهنا وقف "نيبرو" امام ملكة البحيرة محاولا استجماع ما تبقى من هيبته: سيدة البحيرة هو لكي ... فلتسمحي لي الآن بالانصراف.
اجابت بكل هدوء :
لا أحد يخرج من الأرض المحرمة.
ولكنني سيد الغابة.
خرجت فقاعة من الماء وهي تجيبه
لا أحد سيد في مملكة البحيرة
حاول الركض بعيدا غير ان الفقاعة قد لحقت به وحبسته بداخلها، وأخذت تنكمش وهو ينكمش بداخلها حتى تلاشت الفقاعة وتلاشي معها "نيبرو".، وفي نفس الهدوء بدأت تتلاشى سيدة البحيرة تحت الماء. وصلت السلات إلى الجبل ومن خلفها ما تبقى من الحاصدين من بعد معركة لم ينج فيها الكثير بلا "اشي" ، وتجمع حراس الكهف من دون " فالتا".
مرت سنوات عديدة وداخل الكهف الكبير جلس "اشى" وعلى راسه تاج يحمل قطعة من نار السماء وقطرة من ماء السماء ... وبجواره "فالتا" وأمامهما وقف ابنهما الأكبر " تاهي " قائد الحاصدون يستمع إلى وصايا "أشي"
الذي عاد من البحيرة بهدية يحملها فوق راسه جزاء شجاعته التي لا تهاب الأسياد في مواطنهم ... وأمه "فالتا" التي ظلت على قمة الجبل ما بين عملاقين تحاربا على من يفوز بها طعاما فعادت أبية منتصرة.
الموسم القادم هو آخر موسم للحصاد ... فإن السماء لن تمنحهم موسما جديدا وقد تكون البحيرة هي الملاذ الوحيد الذي لن يبلغوه إلا بشجاعة لا تهاب الأسياد حتى في مواطنهم.
تمت







0 تعليقات