حلفاء فوق العادة.. جواسيس تحت العادة: الصندوق الأسود للتجسس الإسرائيلي على أمريكا

 

حلفاء فوق العادة.. جواسيس تحت العادة: الصندوق الأسود للتجسس الإسرائيلي على أمريكا




دكتور احمد ابراهيم حنفي 

​في العُرف الدبلوماسي والاستراتيجي، تُصنف العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بأنها "تحالف عضوي لا يتزعزع". لكن خلف واجهات العناق الحار في واشنطن والتل أبيب، تقبع حقيقة تاريخية واستخباراتية مغايرة: إسرائيل هي واحدة من أكثر الدول نشاطاً وعدوانية في التجسس على الولايات المتحدة.

​هذا التناقض الصارخ يُثير تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن لدولة تعتمد وجودياً على المساعدات العسكرية والاقتصادية والفيتو السياسي الأمريكي، أن تخاطر باختراق الأمن القومي لوليّ نعمتها؟ الجواب يكمن في عقيدة الأمن الإسرائيلي التي تؤمن بـ "الاعتماد المطلق على الذات" و"عدم الثقة التامة حتى في الأصدقاء".

​1. الجذور التاريخية: اختراق الحليف قبل ولادة التحالف

​لم يبدأ التجسس الإسرائيلي على واشنطن بعد حرب 1967 أو في ثمانينيات القرن الماضي؛ بل يعود إلى ما قبل إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948.

​تهريب السلاح المبكر (الأربعينيات): قامت شبكات "الهاجاناه" الصهيونية داخل الولايات المتحدة بعمليات سرية لتهريب الأسلحة والمعدات العسكرية الحساسة في خرق واضح لقرارات حظر تصدير السلاح الأمريكية آنذاك.

​فضيحة ميكروفونات تل أبيب (1954): في الخمسينيات، ورغم التنسيق الاستخباراتي الأولي، عثرت السلطات الأمريكية على أجهزة تنصت وميكروفونات مزروعة داخل مكتب السفير الأمريكي في تل أبيب، وتبعها اكتشاف أجهزة تنصت في الهواتف الخاصة بالملحق العسكري الأمريكي عام 1956.

​قضية "لافون" (1954): في محاولة لضرب العلاقات الأمريكية-المصرية الناشئة حينها، أدارت الاستخبارات الإسرائيلية شبكة تخريبية لتفجير مصالح أمريكية وبريطانية في مصر وإلصاق التهمة بجماعات محلية، فيما عُرف تاريخياً بـ "فضية لافون"، وهي أول طعنة مباشرة للمصالح الأمريكية برعاية إسرائيلية.

​2. قضية جوناثان بولارد: الشرخ الذي لم يندمل

​إذا كان التجسس قبل الثمانينيات يجري خلف أبواب مغلقة، فإن قضية جوناثان بولارد (1985) فجّرت المشهد علناً وصدمت المؤسسة الأمنية الأمريكية.

​الحدث: بولارد، الذي كان يعمل محللاً مدنياً في استخبارات القوات البحرية الأمريكية، تم تجنيده لصالح وحدة "لاكام" (مكتب العلاقات العلمية السرية الإسرائيلي).

الحصيلة: على مدار 17 شهراً، سرّب بولارد للاحتلال الإسرائيلي ما يزيد عن 800 ألف وثيقة شديدة السرية، شملت أدلة شفرات وكالات الأمن القومي الأمريكية (NSA)، ومعلومات عن القدرات العسكرية العربية والسوفيتية، والأنظمة الدفاعية.

​رغم توسلات إسرائيل لإطلاق سراحه، أصرت واشنطن على معاقبته بالسجن مدى الحياة (قضى منها 30 عاماً)، واعتبرته الأجهزة الأمريكية أخطر اختراق تعرضت له من قِبل دولة "صديقة". المثير للدهشة أنه بعد الإفراج عنه ووصوله لإسرائيل عام 2020، استقبله رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استقبال الأبطال، ليعود بولارد عام 2026 ليتصدر المشهد السياسي الإسرائيلي مجدداً بترشحه للبرلمان ومطالبته بتهجير سكان غزة، مذكّراً واشنطن باستمرار بصدمة الثمانينيات.

​3. من التجسس البشري إلى القرصنة الرقمية: الاختراق المستمر

​لم تتوقف العمليات بعد بولارد، بل تحورت مع التطور التكنولوجي. لم تعد إسرائيل بحاجة دائماً إلى "عميل بشري" يخرج بحقائب دبلوماسية مليئة بالوثائق؛ بل انتقلت إلى التجسس السيبراني والتقني.

​أبرز المحطات الحديثة:

​قضية لورانس فرانكلين (2004): مسؤول في البنتاغون (وزارة الدفاع) تم ضبطه وهو يسرب وثائق سرية تتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه إيران إلى موظفين في لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، مما يوضح قدرة تل أبيب على اختراق اللوبيات السياسية وتوظيفها استخباراتياً.

​أجهزة التنصت حول البيت الأبيض (2019): كشفت تحقيقات الفيدرالية الأمريكية (FBI) عن وجود أجهزة تنصت خلوية متطورة تُعرف باسم (StingRays) زرعت بالقرب من البيت الأبيض ومواقع حساسة في واشنطن. وأشارت أصابع الاتهام الاستخباراتية مباشرة إلى تل أبيب لجمع معلومات عن الرئيس دونالد ترامب ومستشاريه.

​التصنيف السيادي الحرج (2026): تؤكد التقارير المسربة من البنتاغون وجهاز استخبارات الدفاع الأمريكي (DIA) رفع مستوى التهديد الاستخباراتي المضاد تجاه إسرائيل إلى "المستوى الحرِج" (Critical)، عقب اكتشاف برمجيات تجسس إسرائيلية مزروعة على هواتف مسؤولين وعسكريين أمريكيين يعملون في المنطقة.

​4. المربع المسكوت عنه: النفوذ، والابتزاز، والتكنولوجيا المفخخة

​يتجاوز التجسس الإسرائيلي مجرد معرفة نية واشنطن السياسية، إلى أهداف أكثر عمقاً وخطورة:

​سرقة التكنولوجيا العسكرية: سعت إسرائيل مراراً للاستحواذ على أسرار طائرات وأنظمة صواريخ أمريكية، وإعادة هندستها لصالح صناعاتها العسكرية، بل وقامت في بعض الفترات (مثل التسعينيات) ببيع تكنولوجيات مشتقة من أصول أمريكية إلى دول أخرى مثل الصين دون إذن واشنطن.

​ابتزاز صانع القرار: تهدف عمليات التنصت في واشنطن إلى رصد الخلافات داخل الإدارة الأمريكية، ومعرفة "الخطوط الحمراء" الحقيقية للمفاوض الأمريكي، مما يتيح لتل أبيب الالتفاف عليها عبر الضغط من خلال الكونغرس أو اللوبيات لإجهاض أي سياسة لا تخدمها (مثلما حدث في كواليس الاتفاق النووي الإيراني أو خطط الحروب الإقليمية).

​5. لماذا تتغاضى واشنطن؟ "قواعد اللعبة" المعقدة

​السؤال الذي يطرح نفسه دائماً: لماذا لا تعاقب أمريكا إسرائيل بقسوة كما تفعل مع الصين أو روسيا؟

​الحصانة السياسية المحلية: النفوذ الواسع للاستخبارات الإسرائيلية متشابك مع شبكة معقدة من جماعات الضغط (اللوبيات) والتبرعات السياسية داخل الولايات المتحدة. أي مسؤول أمريكي يفتح ملف التجسس الإسرائيلي علناً يواجه اتهامات فورية بـ "معاداة السامية" أو "تدمير التحالف"، مما يهدد مستقبله السياسي.

​مقايضة المصالح: تنظر واشنطن إلى إسرائيل باعتبارها "أكبر حاملة طائرات أمريكية في الشرق الأوسط". لذا، تُفضل الأجهزة الأمريكية دائماً تصفية الحسابات الجاسوسية مع إسرائيل خلف الستار: طرد دبلوماسيين بهدوء، قطع مؤقت لبعض قنوات تبادل المعلومات، أو حرمانها من تكنولوجيات معينة لبعض الوقت، دون هدم المعبد.

​خاتمة: حليف موثوق.. جاسوس دائم

​تثبت قراءة التاريخ والواقع الحالي أن التجسس الإسرائيلي على أمريكا ليس سلوكاً عابراً، بل هو استراتيجية بنيوية ثابتة.

​بالنسبة لتل أبيب، الصداقة مع واشنطن لا تعني الأمان المطلق؛ والتحالف الاستراتيجي لا يلغي الحاجة إلى معرفة ما يدور في عقل "الأخ الأكبر". وطالما بقيت الحصانة السياسية لإسرائيل داخل واشنطن قائمة، ستبقى الهواتف الأمريكية في الغرف المغلقة هدفاً دائماً لـ "الموساد" و"الشاباك" ووحدات الحرب السيبرانية، في مفارقة تاريخية فريدة: أن تدفع أمريكا مليارات الدولارات سنوياً لحليفٍ يجمع في ذات الوقت ملفات سرية لابتزازها.




إرسال تعليق

0 تعليقات